من أحد سجون الدولة تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد شباب هذا الوطن حمّلني أمانة إنسانية لا أملك خياراً عن توصيلها إلى المجتمع بأسره وأسمع الجميع رسالة الاسترحام من صوت يقبع صاحبه في ظلمات السجن منذ سنوات.. وبكل أمانة وصدق آليته على قلمي سأنقل فحوى ذلك الاتصال وما دار فيه وأضعه أمام المعنيين. يقول الشاب الذي تحدث باسم مجموعة تضم تسعة عشر شاباً مواطناً من المحكومين في قضايا المخدرات بعقوبات تتراوح بين الاعدام والسجن عشر سنوات ـ أمضى معظمهم أكثر من نصف مدة الحكم في تلك العقوبات ـ يقول إن انتظارهم لقرارات العفو التي تصدر في المناسبات الدينية والوطنية من كل عام قد طال، وكلما أملوا خيراً في الغد وأن يوم العفو آت يرون أن هذا الخير يتعداهم الى غيرهم ويتجاوزهم، وكلما سألوا عن مصيرهم، وإن كان قرار الإفراج سيشملهم جاءهم رد واحد لا يتغير.. وهو «لا شيء في شأنكم». والسبب كما يقول السجين المتصل حسبما يأتيهم على لسان المسئولين عن السجن أو إدارة المؤسسات العقابية كما يسمونها.. هو ان القرار لا يشمل المحكومين بمدد طويلة خاصة من المتورطين في قضايا المخدرات، فالتجارب أثبتت عدم جدوى الإفراج عن هذه الفئة التي قلما يتوب منها أحد ويثوب إلى رشده، بل ان الغالبية يعودون الى السجن وقد تورطوا في قضايا أكبر من ذي قبل أو أن تأتيهم أخبارهم بأنهم لقوا حتفهم في تعاطي جرعات زائدة من المخدرات.. وعليه فليس أمام هؤلاء سوى نسيان أمر العفو والإفراج قبل نهاية مدة الحكم. ويستطرد المتصل في كلمات يستجدي بها الضمائر فيقول: نعترف أننا أخطأنا بل أجرمنا في حق وطننا وأنفسنا وأسرنا حين أقدمنا على ما نحن فيه، وتورطنا في بحر الجريمة التي كلفتنا أثماناً باهظة هي أجمل سنوات حياتنا التي نراها تذبل خلف القضبان، واليوم أملنا كبير في الله سبحانه وتعالى ثم المسئولين من بعده بمنحنا فرصة ولتكن الأخيرة للتوبة والرشاد وليمد المجتمع لنا يديه ومساعدتنا في العيش بكرامة، خاصة بعد مكرمة الوالد رئيس الدولة وتوجيهاته ـ كما هي عادته ـ بمساعدة المفرج عنهم وإيجاد مصادر رزق لهم من خلال تعيينهم في القوات المسلحة والشرطة. ويجدد المتصل رجاءه بمنحه ورفاقه فرصة الخروج من السجن كرماً لأسرهم وأطفالهم الذين لا ذنب لهم. ويتطرق نزيل السجن الى وضع السجون ويقول: ما الحل والسجون مليئة بكل الممنوعات، فهل تصدقون إن العديد من السجناء الذين دخلوا السجن في قضايا أخرى غير المخدرات، عرفوا المخدرات وتعاطوها بل وأدمنوها في السجن، مثل ذلك الشاب الذي تورط في قضية سرقة وحكم عليه بمدة بسيطة حالياً يواجه عقوبة السجن 18 عاماً لتكرار ضبطه وهو يتعاطى المخدرات في السجن ويروجها بين المدمنين فيه! ويتساءل كيف تريدون للسجن أن يكون تأديباً وتهذيباً وإصلاحاً، ومعايير هذا الصلاح لا تتوافر فيه، فلا علاج ولا تأهيل بل العكس وهو سهولة الحصول على المخدر فهل يتوقع أحدكم من سجين المخدرات أن يكون في صورة ملاك.. بريء وطاهر.. بالطبع لا.. فما يحدث من المتورطين في قضايا المخدرات هو نتيجة طبيعية للأوضاع داخل السجون.. ولكن في ذات الوقت فليس من العدل أخذ البعض بجريرة الكثرة ولا إنصاف في أخذ الكثرة بجريرة البعض.. إلى هنا وانتهى الاتصال. ــــ ولإدارة احد السجون نوجه استفساراً من ذوي المسجونين من فئة «البدون» الذين لم يشملهم قرار العفو بالمرة حتى أولئك الذين أمضوا ثلثي مدة الحكم، وحال وضعهم بانتمائهم الى هذه الفئة التي لا جنسية لها دون استفادتهم من قرار الإفراج رغم ان القرار كان عفواً شاملاً. Email: fadheela@albayan.co.ae