حاولت في الأيام الماضية أن أتعرف على سر الجدل المثير الذي أحدثه مسلسل الحاج متولي، وتلك الكتابات التي انحازت له مؤيدة، والاخرى التي وقفت ضده، ولم أجد اجابة واضحة ومحددة إلا القول ان من يقترب لخطوط حمراء في العلاقات المتداخلة بين الرجل والمرأة يدخل في دوامة الجدل الثنائي المثير بين مؤيد ومعارض.. وحتى لا يتهمني البعض بالوقوف في صف الرجل الذي تحول في هذا الزمن العجيب الى شخص مغلوب على أمره أتشبث بخبر حديث يشير الى أن الرجل كائن مهدد بالانقراض فأبشرن أيتها النساء، إذ يتوقع خبير كبير في مجال صحة الرجل، أن الرجال ربما يصبحون فصيلة مهددة بالانقراض اذا لم تتغير الطريقة التي ينظرون بها لقضاياهم الصحية. ويعتقد البروفيسور سيجفريد ميرين من جامعة فيينا النمساوية أن دور الرجل في المجتمع والمنزل والعمل تغير بصورة كبيرة خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، كما لاحظ ان النساء أصبحن النوع المهيمن على المجتمع.. وتساءل قائلاً: ما هي تأثيرات اعادة تحديد دور الرجال في الأسرة والعمل والمجتمع على صحتهم؟ هل سيأتي الوقت الذي لا تكون هناك حاجة لهم على الاطلاق؟! واشار سيجفريد الى ان النساء الآن لديهن ذكاء عاطفي أعلى، وقدرة تنافسية اجتماعية اكبر من الرجل، كما أنهن أصبحن اكثر سيطرة على مجريات حياتهن عما سبق، في الوقت الذي تراجع فيه دور الرجل بشكل ملحوظ، فلم يعد الرجل بالضرورة يحتل أعلى قمة الهرم الوظيفي في مكان عمله، كما تغير دوره تماماً داخل الاسرة، ففي غالبية الدول المتقدمة بدأت النساء في التفوق عدداً على الرجال في مجال الطب، كما تحققن مكاسب فيما يتعلق بالمساواة في التعويضات والفرص في أماكن العمل. ويبدو ان تلك المكاسب التي تحصلت عليها المرأة على أرض الواقع أراد الحاج متولي ان ينسفها نسفاً ليعيد للرجل سطوته وكلمته وبريقه، وهذا ما حصل فعلاً حيث كان المسلسل بمثابة الحجر الذي حرك المياه الراكدة ان صح القول فأثار من أثار وحرّك من حرّك.. إلا أن الواقع يحمل للرجال أخباراً غير التي حملها الحاج متولي، فأخبار القرن الحالي غير سارة، خاصة بعد أن فقد الرجل مساحات كبيرة من خصوصياته وتنازل عنها للمرأة، تارة طوعاً وتارة جبراً.. فما عاد لأولئك الرجال القدامى أصحاب الشوارب الطويلة المعكوفة تلك الهيبة والهيلمان القديم بعد ان تقاربت الأدوار وتداخلت بشكل مثير وخطير، وبعد أن أعطيت المرأة حقوقاً كانت غائبة عنها، ترى هي أنها سلبت منها، ويرى الرجل انها لا تملكها أصلاً.. عموماً.. بعيداً عن مطالبات المرأة القديمة الجديدة بضرورة مساواتها بالرجل حتى لم نعد نعرفها، وبعيداً عن الأشواط والانجازات التي قطعتها وقدمتها للمجتمع والمحيط الذي تعيش فيه، نقف عند دراسة بريطانية تجانب ما يطرحه الحاج متولي، إذ تشير الدراسة إلى ان الرجل الذي لا تعمل زوجته يصبح أقل عرضة للاصابة بالاكتئاب، وخلصت الى أن الشخص الذي يشغر درجة وظيفية عالية لديه الكثير من الموارد المادية والاجتماعية التي تسهم مباشرة بمستوى الحياة التي يعيشها وتساعده في التغلب على الاحباط والضغوط. وأكدت الدراسة على أن الشبكات الاجتماعية مورد هام للغاية للحياة الزوجية المتوازنة، فالزوجة التي تختار عدم العمل وتفضل البقاء في المنزل لها دور كبير في تحمل مسئولية الأسرة وتطوير الروابط الاجتماعية. وحتى لا أقف عند تلك الدراسة التي تصب في صالح الرجل أصيخ السمع لذاك الضجيج الذي أحدثه كتاب لأخصائي علم النفس الألماني البروفيسور هيرمان ايهمان بعنوان «مخاوف الرجال» حيث يرى أن رجال القرن الحالي سيتحولون الى كائنات هامشية، وأن الجنس القوي ما عاد الأقوى في العقود الأخيرة، وان مخاوف الرجل قد حولته الى أرنب خائف يقف مرتعداً، زائغ العينين، مضطرباً، يبحث عن نفسه فلا يجدها. ايهمان يطرح في كتابه اضافة الى لقاءاته وحكاياته مع العديد من الناس العاديين والمشاهير احصائية نفسية قضى سنوات في اعدادها. ويبدو أن السؤال الذي يتبادر الى الذهن عند قراءة مثل هذه الاحصائية يصب في خانة النساء، فأين هن من تلك النسب الخائفة؟ من يتمعن جيداً يكتشف ان النساء، أفضل حالاً بفضل الانجازات التي تحققت لهن في مضمار المساواة مع الرجل، ففاقد الشيء تكون سعادته أكبر وأعظم إذا ما وجد ذاك الشيء يعود له هكذا بعد أن اعتقد انه لا سبيل لعودته! هكذا يدفع الخوف الذي خلقته الحياة العصرية بكل بهرجها ملايين الرجال من أصحاب الشوارب المعكوفة الى سرير عيادة الطبيب النفساني في محاولة للسيطرة على مخاوفهم. ونحن نقول ان الرجل الأرنب أصبح قريباً منا، فهل ستتغير الصورة؟