هل يؤدي التوافق بين ايران والولايات المتحدة تجاه الوضع الافغاني الى تقارب سياسي يهييء لعودة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، المقطوعة منذ 22 عاما؟ الاجابة عن هذا السؤال تعتمد على النتيجة النهائية لصراع داخلي في مؤسسات السلطة الامريكية بين اللوبي اليهودي واللوبي النفطي. اللوبي اليهودي ينظر في مستقبل العلاقات الامريكية مع ايران او اي دولة عربية او اسلامية اخرى خاصة في منطقة الشرق الاوسط، من منظور اسرائيل وأمنها وضمان شروط بقائها. واللوبي النفطي ينظر في الامر من خلال المصالح الحيوية الربحية لشركات النفط الامريكية العملاقة على صعيد سوق الطاقة وسوق الاستثمارات النفطية الجديدة. لمدى الاثنين والعشرين عاما الاخيرة منذ ان قطعت الولايات المتحدة العلاقات مع ايران ردا على حادثة احتلال السفارة الامريكية في طهران بواسطة طلاب ثوريين في اعقاب قيام «الثورة الاسلامية» ظل الصراع بين اللوبي اليهودي واللوبي النفطي متفاعلا على صعيدي الكونجرس والبيت الابيض وأصعدة اخرى لكنه اخذ يحتدم تصاعديا في اعقاب احداث 11 سبتمبر وتداعياتها الخارجية التي بلغت ذروتها في اندلاع الحرب الامريكية ضد نظام طالبان الافغاني. فكيف نظر كل من اللوبي اليهودي ولوبي شركات النفط الى هذه التداعيات؟ فلنعد الى الاذهان اولا ان الموقف الذي اتخذته طهران تجاه الاحداث والتداعيات معا (ولا تزال ثابتة عليه تقريبا) يتلاءم تماما مع رؤية واشنطن واهدافها الاساسية، فبعد ان اصدرت ادانة رسمية واضحة لاحداث التفجيرات في نيويورك وواشنطن ايدت ضمنيا وعمليا العملية العسكرية الامريكية الكبيرة للاطاحة بنظام طالبان. وذهبت ابعد من ذلك فسمحت سرا للطائرات والصواريخ الامريكية المنطلقة من سفن وناقلات في بحر العرب والمحيط الهندي بعبور الاجواء الايرانية الى اهدافها في الاراضي الافغانية. وبالطبع ليس هذا الموقف الايراني وليد تحالف مع الولايات المتحدة وانما هو وليد صدفة من حيث التقاء رؤية طهران مع رؤية واشنطن تجاه نظام طالبان: كلتاهما كانتا تريدان ـ لأسباب مختلفة ـ رؤية النظام الطالباني يتهاوى. ولنعد الى الصراع بين اللوبي اليهودي واللوبي النفطي داخل الولايات المتحدة، بينما رأى اللوبي اليهودي في التجاوب الايراني مع اهداف الحملة العالمية الامريكية «لمكافحة الارهاب» في مرحلتها الاولى فرصة لمطالبة ايران بالمزيد من التجاوب بما يخدم امن اسرائيل، كأن تسحب طهران دعمها لحزب الله اللبناني مثلا، رأى اللوبي النفطي انه أخيرا حانت فرصة طيبة، لأن تلغي الادارة الامريكية العقوبات المفروضة ضد ايران منذ عام 1996 كمكافأة للنظام الايراني على تأييده لأهداف الحملة العسكرية الامريكية في افغانستان. ورفع العقوبات عن ايران يعني انفتاح الابواب امام الشركات النفطية الامريكية للدخول في الاستثمارات النفطية الكبيرة في ايران التي ظلت تنفرد بها شركات النفط الاوروبية واليابانية طوال السنوات الخمس الاخيرة. الآن ترتفع اذن اصوات شركات النفط الامريكية مطالبة الكونجرس وإدارة بوش بالغاء العقوبات ضد ايران واعادة العلاقات الدبلوماسية. وبنفس القدر ترتفع اصوات اللوبي اليهودي بالاعتراض الشديد مطالبة الادارة الامريكية بألا ترفع العقوبات او تعيد العلاقات إلا في اطار صفقة ثنائية توافق بموجبها طهران على تصفية برنامجها النووي (المفترض انه موجه ضد اسرائيل) وسحب الدعم الايراني من «حزب الله» ضمن شروط اخرى. وعلى خلفية حمى مكافحة الارهاب التي تجتاح الكونجرس والبيت الابيض فإن من الواضح ان الغلبة والمبادرة سوف تبقى لأمد غير منظور في يد اللوبي اليهودي.