رغم ما يشعر به البعض من أن الملف العسكري للحرب في أفغانستان أوشك على الاغلاق، إلا أن كثيرا من المراقبين للشأن الأفغاني عبر تاريخه الحديث يشعرون أن النفق الأفغاني لايزال طويلا، بل شديد العتمة أيضا، وأن الداخل في هذا النفق مفقود والخارج منه مولود حقا. فرغم اتفاق الفرقاء الأفغان في بون على تشكيل إدارة مؤقته للبلاد تم فيها تقسيم السلطة وتدعو خلال ستة أشهر إلى عقد إجتماع المجلس الأفغاني الذي يضم زعماء القبائل وعلماء الدين (اللوياجيرجا) لينتخب حكومة إنتقالية تتولى السلطة لمدة شهر لحين إجراء إنتخابات عامة، فرغم هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بصعوبة بالغة بسبب إختلاف أراء الأحزاب والمنظمات الأفغانية المتعددة، إلا أن تداعيات الحرب الأفغانية في بعديها السياسي والعسكري تنبئ بحدوث تطورات كثيرة ومثيرة. واقع معقد مما لاشك فيه أن نجاح قوات التحالف الشمالي في السيطرة عسكريا على معظم الأراضي الأفغانية، وطرد سلطة طالبان منها، وضرب وتدمير الكثير من بنيتها العسكرية كان بفعل الضربات الجوية، والصاروخية الأمريكية وما قدمته الولايات المتحدة من مساعدات لوجيستية لقوات التحالف، خاصة في مجال الإمداد بالأسلحة ومركبات القتال والذخائر المدرعة والمواد الاستراتيجية خاصة الوقود، بالإضافة للأموال التي استقطبت العديد من عناصر طالبان، وأحدثت شرخا في هذه الحركة مما ساعد على سرعة إنهيارها وسقوط آخر معاقلها في قندهار وتورا بورا على أيدي عناصر بشتونية مناوئة لها، والتي أسرعت بإحتلالها قبل أن تسقط في أيدي قوات التحالف الشمالي غير البشتونية والتي تنتمي معظم عناصرها لقبائل الطاجيك والأوزبك والهزارة. إلا أن الولايات المتحدة حرصت على التأكيد على حقيقة هامة وهي أن الحرب في أفغانستان لم تنته بسقوط قندهار، لأن باقي الأهداف الرئيسية للحملة الأمريكية لم يتحقق بعد وهي الإمساك بكل من بن لادن والملا محمد عمر، حيث رفضت الولايات المتحدة أي اتفاق يسمح لزعيم طالبان أن يعيش بكرامة في أفغانستان أو خارجها، لاسيما أن الملا عمر لم ينبذ الإرهاب ـ على حد قول حميد قرضاي رئيس الحكومة الأفغانية الإنتقالية المقبلة، ومن ثم عليه أن يتحمل مسئولية ذلك، لذلك سيتم ملاحقة القوات الأمريكية للملا عمر وأعضاء مجلس الشورى التابع له الذين اختفوا أيضا من قندهار، حتى يتم الإمساك بهم، وسيستمر القصف الجوي الأمريكي للمواقع التي يحتمل أن يلجأ إليها الملا عمر في جبال هندوكوش وكهوف داخشان، والتي يجري تمشيطها حاليا بواسطة قوات من التحالف الشمالي متمرسة على القتال في هذه المناطق الجبلية وتعلم دروبها ومسالكها، وذلك بحثا عن الملا عمر وأسامه بن لادن المتحصن بدوره في مواقع سبق أن أعدها لنفسه في كهوف هذه الجبال. لأن العثور عليهما أشبه بالبحث عن ابره في مياه المحيط، لاسيما وأن هذه المناطق تقع فيما يطلق عليه (الحزام البشتوني) الملئ بالكهوف والمغارات التي تتيح لتنظيم القاعدة الاختباء فيها والتنقل بينها دون أن تخضع لسلطة حاكم الولاية، بالإضافة إلى أن المقاتلين الافغان اعتادوا البقاء في تلك الأماكن في ظروف الشتاء القارس، وهم يخزنون الغذاء والوقود والذخيرة داخل هذه الكهوف لما بعد فصل الشتاء، ناهيك عن أن كهوف وأنفاق جبال الهندوكوش تمتد من الحدود مع جمهوريات آسيا الوسطى وحتى الحدود مع باكستان وإيران، وهي جبال ضخمة يصل عرضها في بعض المناطق إلى 2000 كم وتشغل مساحات متتالية قد تصل إلى 30 كم مربعاً، وبعض هذه الكهوف لها منفذ واحد، وبعضها له منفذان، ومن ثم يصعب على الطائرات الأمريكية تعقبها، والوسيلة الوحيدة للإمساك بهما هي الخيانة من خلال اختراق الدائرة الداخلية لكل منهما، وهو ما يفسر زيادة مكافأة من يدلي بمعلومات عن بن لادن من سبعة ملايين دولار إلى 25 مليون دولار. ولكن في المقابل يعمل بن لادن وأتباعه، وكذلك الملا محمد عمر، على خداع المخابرات الأمريكية وتضليلها من خلال تسريب معلومات كاذبة عن أماكن تواجدهما، وهو ما يفسر تصريح المتحدث الرسمي للبنتاجون الذي قال فيه منذ أيام أنهم حصلوا على 22 ألف معلومة عن مكان بن لادن، فإذا كانت معلومة واحدة منها صحيحة لكانت تكفي للقبض عليه أو قتله، ويزيد الأمر صعوبة على القوات الأمريكية أن يكون بن لادن قد خرج من أفغانستان عبر سلسلة جبال الهندوكوش السابق الحديث عنها، ذلك لأن بعض سلاسل هذه الجبال تصل بين أكثر من دولة، ويستطيع الإنسان عبر بعض ممراتها الدخول إلى دولة مجاورة دون أن يتعرض للرقابة، أضف إلى هذا أن هذه الجبال تقع في مناطق نفوذ البشتون المتعاطفين مع الملا عمر وبن لادن. ومن ثم فإن إستمرار اختفاء الملا عمر وأتباعه من طالبان، وبن لادن ومعه أكثر من 2000 من الافغان العرب، بالإضافة لبقاء بعض خلاياه كامنة في الدول الأخرى، ووجود حسابات سرية لتنظيمه لم تستطع أعتى السلطات الأمريكية الوصول إليها، يعطي احتمالات كثيرة حول إمكانية استعادة نشاط تنظيم القاعدة ـ سواء بواسطة بن لادن إذا نجا من المطاردة الأمريكية له، أو بواسطة خليفته في التنظيم. وإذا كان من الصعب على بن لادن أن يواصل نشاطه مستقبلا من الأراضي الأفغانية في ظل سيطرة نظام حكم آخر غير طالبان، فإنه من المحتمل أن ينقل نشاطه إلى بلدان أخرى ذات أنظمة غير مستقرة ـ مثل الصومال ـ حيث يتواجد حوالي 6000 فرد من (افغان القرن الأفريقي) ـ وأن كان من الصعب على بن لادن أن يأمن على نفسه خارج أفغانستان، حيث لا يستبعد أن يتم ( بيعه ) للولايات المتحدة، كما سبق أن تم بيع الإرهابي كارلوس للحكومة الفرنسية، خاصة وأن جائزة الإمساك بابن لادن المخصصة من الإدارة الأمريكية في تصاعد مستمر. أما في حالة قتل بن لادن، فإن العناصر التابعة له والكامنة في الدول الأخرى ليس من المستبعد أن توجه ضربات إنتقامية ضد المصالح الأمريكية داخل وخارج الولايات المتحدة لاسيما على ضوء ما تردد بأنها تملك أسلحة تقليدية وأدوات دمار شامل، ولديها تعليمات مسبقة من بن لادن لاستخدامها ضد أهداف محددة، خاصة عند الوصول إلى مرحلة الملاذ الأخير). أما في مرحلة ما بعد طالبان والقاعدة، ومع افتراض نجاح القوات الأمريكية في القضاء عليهما، فسيتعين على القوات الأمريكية المتواجدة في أفغانستان أن تواجه في المستقبل مشكلة أساسية تتمثل في الرفض الأفغاني لوجود قوات أجنبية على أرض أفغانستان، وهو الدرس المستفاد من حروب الأفغان ضد البريطانيين في أعوام 1840، 1919،1880، وضد السوفييت في حرب العشر سنوات، حيث أتحدت جميع المنظمات والأحزاب الأفغانية ـ رغم ما بينها من خلافات ـ من أجل ضرب الوجود الأجنبي في أفغانستان، ومهما أنفقت الولايات المتحدة من أموال في سبيل شراء هذه المنظمات والأحزاب، ومهما انفقت أيضا من استثمارات من أجل اعادة تعمير أفغانستان، فإن الوجود الأمريكي في أفغانستان سيواجه رفضا أفغانيا قد ينقلب إلى مقاومة مسلحة، خاصة إذا تم تغذيتها من الدول الأخرى المحيطة بأفغانستان، وتسعى إلى توريط الولايات المتحدة في مستنقع آخر هناك مماثل للمستنقع الفيتنامي، لاسيما وأن هذه الدول ـ وهي روسيا والصين وإيران ـ لديها حسابات قديمه مع الولايات المتحدة تريد تصفيتها على الأرض الأفغانية، وهي الفرصة التي لايمكن أن تعوض. سيناريوهات السياسة أصبح من الواضح حاليا أن الأمم المتحدة ستتولى السلطة الحقيقية لإدارة شئون أفغانستان لمدة عامين، رغم وجود الحكومة الإنتقالية وحتى بعد انعقاد مجلس (اللوياجيرجا). حيث تتفق خطة الأمم المتحدة بشأن أفغانستان مع النموذج الكمبودي حينما أشرفت الأمم المتحدة على شئون البلاد لفترة إنتقالية من عام 1991 وحتى إجراء الإنتخابات في عام 1993، وبمساعدة قوات جيش وشرطة ينتمون إلى خمسة عشر دولة. وسيدعم الدور الذي ستلعبه الأمم المتحدة ضعف التماسك في سلطات الحكم الإنتقالي والمؤقت في أفغانستان، والناتج عن تعارض مصالح الفرقاء الأفغان، والذين تحكمهم في الأساس اعتبارات الإنقسام العرقي والقبلي التي تسود هذا البلد، هذا إلى جانب مستحقات الحرب الأخيرة، حيث يريد التحالف الشمالي أن يكون له النصيب الأكبر في السلطة والذي يناسب الدور الأساسي الذي لعبه في هذه الحرب وأدى إلى الاطاحة بحكم طالبان، ناهيك عن الانقسام الذي يسود هذا التحالف نفسه بين الطاجيك والاوزبك وغيرهم. كما أن الباشتون وهم أكبر الجماعات العرقية في أفغانستان ـ 40 بالمائة من السكان ـ يشكون من عدم تمثيلهم بالقدر الكافي في السلطات الإنتقالية لمرحلة ما بعد طالبان، وهو وضع لن يكون مقبولا من باكستان التي ترفض أن يكون نظام الحكم في أفغانستان مناوئا لها ومواليا للهند العدو اللدود لباكستان، حيث تمثل أفغانستان العمق الطبيعي لباكستان، سواء في مواجهة الهند أو الوصول إلى بلدان آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بالثروات، خاصة وأن باكستان مهددة بإمتداد الطالبانية إليها عبر المنظمات الإسلامية المتشددة والرافضة تورط باكستان في الحرب ضد طالبان بحكم الإنتماء العرقي والديني الذي يربط الطرفين. وتخشى الولايات المتحدة بشدة من نجاح هذه المنظمات في إسقاط نظام حكم الرئيس الباكستاني برويز مشرف، وبالتالي وقوع الترسانة النووية والصاروخية الباكستانية في أيدي هذه المنظمات المتطرفة الباكستانية، لذلك كانت من شروط برويز مشرف للإنضمام للتحالف المناهض للإرهاب الذي أقامته الولايات المتحدة، إلا تشارك فيه أيا من الهند أو إسرائيل، لأن كلتيهما مرتبطتان بتحالف استراتيجي يستهدف تدمير المجمع النووي الباكستاني في كاهوتا، ويتيحان الفرصة المناسبة لذلك، والتي واتتهما في الحرب في أفغانستان. وإذا انتقلنا إلى الدائرة الخارجية حول أفغانستان وتأثيرها على الوضع داخلها، فسنجد أن روسيا وهي الطرف الأقوى شمال أفغانستان تتمثل مصالحها في الثأر من الدور الأمريكي في حرب العشر سنوات التي خاضها الإتحاد السوفييتي على الأراضي الافغانية وانهزم فيها واضطر إلى الإنسحاب منها، وأدت في النهاية إلى تفككه وسقوط الشيوعية في معقلها، لذلك ستسعى روسيا إلى دعم جماعات أفغانية موالية لها ـ مثل الجنرال عبد الرشيد دوستم قائد فصيل الأوزبك في أفغانستان وكان في الأصل رجلا شيوعيا ومشهورا بدمويته في التعامل مع خصومة وسيكون هدف موسكو القادم إثارة المشاكل أمام الولايات المتحدة في أفغانستان، وإبتزازها بالحصول على مساعدات مالية تساهم في انعاش الاقتصاد الروسي الذي يشكو الإنهيار، والغاء ديون روسيا على الولايات المتحدة حيث يتعين على موسكو أن تسدد في هذا العام ديون مستحقة حجمها 30 مليار دولار، هذا إلى جانب أن تغض واشنطن الطرف عن الممارسات الروسية الوحشية ضد الثوار في الشيشان، وتجميد مشروع ضم دولا من مجموعتي البلطيق وآسيا الوسطى إلى حلف الناتو مع السماح لروسيا بالاحتفاظ بقواعد عسكرية متقدمة في تلك الدول. أما بالنسبة لإيران، ورغم الاجواء الصافية التي سادت العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية بسبب وساطة وزير خارجية بريطانيا ووفد الترويكا الأوروبية، الأمر الذي تمثل في إدانة طهران لعمليات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، واللقاءات السرية التي جرت بين مسئولين في البلدين استهدفت تسوية المشاكل العالقة بينهما وبما يتفق ومصالحهما، إلا أنه من المؤكد الا تسمح طهران للوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان مستقبلا أن يشكل حصارا لإيران بجانب الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ويهدد مصالح إيران في آسيا الوسطي الإسلامية، وخطوط أنابيب نفط بحر قزوين التي تطمع إيران في أن تمر عبر أراضيها، لذلك ستسعى إيران لدعم نفوذ قبائل الهزارة في أفغانستان، والتي تدين بولائها الديني لطهران، من أجل تشكيل متاعب للوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان. أما بالنسبة للصين، فإنها لن تسمح للوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان بأن يهدد جناحها الغربي، وستسعي لدعم تعاونها الاستراتيجي مع باكستان من أجل احتواء هذا التهديد، كما ستساوم الولايات المتحدة من أجل إيقاف دعمها العسكري والسياسي لتايوان. هكذا نجد كل طرف شارك في التحالف المناهض للإرهاب الذي شكلته واشنطن يطلب ثمن هذه المشاركة بما يتفق ومصالحه، وليت الأمر بالنسبة للولايات المتحدة يقتصر على ذلك فقط، ولا يصل إلى حد تأليب الفرقاء الافغان المتناحرين، وتوحيد صفوفهم لمناهضة التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان، والذي لم يخف كولن باول وزير الخارجية الأمريكي حقيقة أنه قدم إلى افغانستان ليبقى فيها، ولن نعود أدراجنا كما فعلنا في السابق. ـ خبير استراتيجي مصري