بداية يجب التنويه إلى أن الحرب القادمة، أو المرحلة الثانية من الحرب ضد ما يسمى بملاحقة الإرهاب، لن تكون صورة طبق الأصل عن ما جرى في أفغانستان، أي أن الأسلحة الاستراتيجية ستغيب عن جملة الحروب القادمة، مثل طائرات ب52 وأخواتها، لان شكلاً جديداً من الحروب ستتبع، بأقل كلفة وأكثر مردودية، أي أن الحروب القادمة ستستخدم الرشاوى وتضييق مساحات التحرك السياسي على بعض الحكومات المستهدفة، دون إسقاط العامل الأمني، الذي سيحكم مجريات وتطور شكل الحروب القادمة. وهذا الشكل سيعيد التذكير بأيام الحرب الباردة، بتكتيكات أكثر حيوية وقدرة على إنجاح الهدف المنشود، بسبب الخلل الحاصل بميزان القوى الدولي، لطرف واحد في هذا العالم، وضعف القوى الدولية الموازية، التي ما تزال دون المستوى المطلوب حتى في الحفاظ على مصالحها. لكن علينا الانتباه، أن مثل هذه الحروب أو المعارك، ستأخذ وقتاً طويلاً بالمقارنة إلى الحرب الأفغانية، والسبب في ذلك أنها ستراعي الولايات المتحدة، مجموعة مصالحها الواسعة جداً في منطقة الشرق الأوسط، وهذا الأمر بالتحديد يحتاج إلى قوى محلية مأجورة تقوم بإشعال الفتيل الداخلي في تلك البلدان المستهدفة في المرحلة الثانية من الحرب القادمة، قبل تدخل المارينز الأمريكي، وحاملات الطائرات. بالإضافة إلى خلق حالات من التوتر المصطنع والمفبرك، بينها وبين بعض جوارها الجغرافي، خاصة في بعض الدول العربية، التي لم تحسم مشكلاتها الحدودية، مع بعض الدول المجاورة؛ مع الأخذ بعين الاعتبار، أن ثمة توجهاً أمريكيا بات مرسوماً في أجندة الولايات المتحدة، يقول بضرورة تغيير البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة، في غالبية بلدان المنطقة بلا استثناء، حتى في تلك الدول والحكومات التي ما تزال موهومة بعلاقاتها المتميزة مع أمريكا. لان هذه البنى، على ما يبدو، لا تتماشى مع روح العصر الأمريكي، الذي ينادي بعولمة العالم على أسس جديدة مختلفة، كل الاختلاف عما هو قائم، وأن الشعار الأساسي سيكون حرية المرأة وحقوق الإنسان والديمقراطية، وعدم التدخل بالشئون الداخلية للدول المتجاورة، بصرف النظر عن طبيعة هذه العلاقات التاريخية القائمة بينها. . الخ. أما فيما يخص السيناريوهات المتوقعة، فهذه القضية حدث ولا حرج، ففيما يتعلق بمربع بلاد الشام، باعتبارها الأهم من وجهة نظر الإدارة الأمريكية وإسرائيل، ستكون كالتالي: بالنسبة لفلسطين، فان السيناريو قد بدأت فصوله، من خلال ما نشاهده على أرض الواقع، فعلى الرغم من أن السلطة الفلسطينية ما تزال خطاً أحمر بالنسبة للعرب وللأوروبيين، إلا أن هذا الخط قد دخل في مرحلة اللون البرتقالي، خاصة بعد أن أدركت اسرائيل والولايات المتحدة، أن بنية السلطة الفلسطينية، هي ذاتها التي كانت تشكل بنية منظمة التحرير الفلسطينية أيام الحرب الباردة، وأن كل الاتفاقيات الأمنية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وما تبعها من ملحقات ذات أبعاد وأهداف أمنية محضة، قد فشلت في خلق بنية موازية قادرة على وأد تلك البنية. أي بمعنى آخر، أن البنى الأمنية التي خلقتها اسرائيل على مدار ثلاثين عاماً من الاحتلال وما يزيد، والتي عولت عليها اسرائيل، وعملت كل ما في وسعها لترسيخها على الأرض الفلسطينية، باعتبارها مرجعية سياسية للفلسطينيين قد انتهت حلماً وواقعاً. لذلك وجدت اسرائيل ضالتها، بضوء أخضر من الولايات المتحدة، بضرورة بدء المرحلة الثانية لمحاربة ما يسمى بالإرهاب الفلسطيني. صحيح أن عنوان هذه الحرب هو تفكيك ما يسمى بالإرهاب الإسلامي، المتمثل بحركة المقاومة الإسلامية «حماس» وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، إلا أن العملية، بالتدقيق فيما يجري على أرض الواقع تستهدف بنية السلطة الوطنية الفلسطينية، وأن التدمير المنظم الذي يجري، بموازاة ضرب البنية التحتية للسلطة، يستهدف كوادر حزبها «حركة فتح»، بالإضافة إلى كوادر بعض الفصائل الفاعلة والمؤثرة، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي قدمت أمينها العام على مذبح الاستقلال قبل ذلك. وأنه رغم التخفيف من حجم الهجمة، الذي يتقصدها الغرب الأوروبي بالتحديد، بات متخوفاً من هذه السياسية التي تتبعها اسرائيل برضا كامل من الولايات المتحدة، والذي نوه في اجتماعه الأخير بضرورة عدم توسيع معركة محاربة الإرهاب خارج أفغانستان، إلا بتوافق دولي. أي أن انقلاباً حقيقياً يجري تنفيذه على الأرض، يهدف إلى تشكيل بنية متوافقة مع الشروط الأمنية الإسرائيلية، ولا غرابة بالأمر إذا ما اعتبرنا أن الكثير من رموز السلطة الفلسطينية، قد أخرجت خارج الخط الأحمر، ووضعت ما بين الخط البرتقالي والأسود، وأن العملية برمتها مجرد عملية وقت، وهنا لسنا بصدد رصد الأسماء. لكن المهم القول، أن البدائل باتت تطرح بجدية، في خلق رموز فلسطينية، بذات الطريقة التي فعلها شارون في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حيث أقال رؤساء البلديات المنتخبين من قبل الشعب الفلسطيني في الداخل، كأطر وطنية معبرة عن طموحات الفلسطينيين وطنياً واجتماعياً، وشكل روابط القرى، كحزام أمني على شاكلة مدنية، من مجموعة من العملاء والمتساوقين مع سياسة الاحتلال، أي أن ما أردت إيصاله، أن الحرب ضد الفلسطينيين قد بدأت تدور رحاها منذ مدة لا يستهان بها، وأن الذرائع التي تلوذ بها اسرائيل والولايات المتحدة، مجرد ذرائع واهية أوهى من خيط العنكبوت، وسنشهد في الأيام المقبلة، تطوير في خطة المرحلة الشارونية المستخدمة في هذه الحرب، بحيث يتم الإجهاز على دور السلطات الأمنية الفلسطينية، كمقدمة لنسف دورها، وابعاد كل من تطاله يد قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى الأردن ولبنان أو حتى إلى سيناء عنوة. ولعل الملك عبد الله الثاني قد كشف هذا المخطط الخطير، بحيث صرح بعد لقائه أنتوني زيني بأن الرئيس عرفات يعتبر أردنياً وعربياً خطاً أحمر، وأن السلطة هي الممثل للشعب الفلسطيني، على الأقل المتواجد على أرضه في الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا الأمر يجرنا إلى السيناريو الآخر، والذي يتمثل في مطالبة الأردن، بضرورة حظر جمعية، أو حزب العمل الإسلامي، الممثل للإخوان المسلمين في الأردن، بالتزامن مع تهديدات بأنه، إذا ما رفض هذه الشروط فستتم العودة إلى النغمة القديمة الجديدة، أي الوطن البديل. ولا غرابة إذا ما اعتبرنا أن هذا السيناريو أصبح واقعاً، وبفعل الترابط، الآن يجري تمريره، من خلال سياسة المرحلة المتبعة شارونياً، وأن ما يجري في رام الله والخليل وجنين وغيرها من مدن الضفة الغربية، هي المقدمة للمعركة الكبرى المتمثلة بما سيسمى بالأيام المقبلة بمعركة الوطن البديل كما أسلفنا، والتي بدورها ستجد قطاعاً جاهزاً للولوج في غمار مناوشات أهلية ربما تصل إلى الاقتتال في داخل الأردن، رغم اتفاقية وادي عربة الموقعة بين اسرائيل والأردن، بعد ذلك تأتي قوات المارينز من العقبة بحجة وقف المذابح الداخلية، وإسرائيل من غور الأردن بهدف وضع نظام لقيط يتعامل مع كل المتطلبات الأمنية الإسرائيلية، وهذا النظام سيكون مختلفاً برموزه. أما السيناريو الثالث، وهو لا يقل خطورة على الإطلاق عا سبق من سيناريوهات مدرجة فيما سبق، بل أكثر من ذلك لا يمكن تحقيقهما بالشكل الأمثل، إلا بتحقيق هذا السيناريو، ويتلخص العمل على فض العلاقة السورية ـ اللبنانية، لكن شرط فض هذه العلاقة، يتطلب جملة من الشروط، التي بدأت تعمل الولايات المتحدة، على تحقيقها من خلال الكثير من التكتيكات السياسية، والتي كان لبنان ووضع حزب الله اللبناني مدخلها الرئيسي، فالآن يجري العمل حثيثاً، على الضغط على الحكومة اللبنانية، بهدف تجريد هذا الحزب من أسلحته، واعادة توضيبه سياسياً داخل مؤسسات السلطة اللبنانية، بهدف نقل الصراع مع الخارج ـ اسرائيل ـ إلى صراع داخلي محض، الأمر الذي سيخلق حالة من الصراعات الداخلية، والتي سيكون عنوانها إعادة ترتيب الحصص على أساس مذهبي وطائفي، وهذا الأمر سيخلق بكل تأكيد حالة صراعية، تفوق الحالة الصراعية التي شهدها لبنان في العام 1976 والتي ما تزال آثارها المدمرة بادية إلى العيان حتى هذه اللحظة. بهدف دفع سوريا لدوامة الحفاظ على أمنها الإقليمي، وبما يفتح المجال أمام اسرائيل والولايات المتحدة من خلفها لفتح صراعات متعددة الأهداف، أهمها : أولاً : توريط القوة السورية في حرب داخلية لبنانية، بهدف إضعافها أولاً، حتى يتسنى لإسرائيل بعد تشتتها للانقضاض عليها وضربها في لبنان ثانياً، وبهذا تكون ـ اسرائيل ـ قد تخلصت من قوة تعتبر هاجساً لا يستهان بها على الصعيد العربي، والعمل على إخراجها من لبنان تحت أية ذريعة، دون إغفال دور الذراع الأمريكي الضارب، المتواجد في المنطقة، والحجج جاهزة، أقلها دعم حزب الله والقوى الوطنية المعادية لإسرائيل باعتبارها إرهاباً لا يمكن السكوت عنه. ثانياً : محاولة التسلل إلى النسيج الاجتماعي السوري، من خلال الهبات والمساعدات لأيادي مأجورة، بهدف ضرب وحدة المجتمع إذا ما أمكنها ذلك، وهذا يتجلى في محاولة استخدام بعض الرموز السورية المتواجدة في الغرب، رغم قلتها وضعفها، إلا أنها ستستخدم شماعة تعلق عليها اسرائيل والولايات المتحدة مشاريعها، بهدف فض وحدة المجتمع السوري مستخدمة حزمة من الشعارات الوهمية الملفقة. كما حاولت استخدامها قبل 11سبتمبر، وساعدها على ذلك الكثير من المنابر الإعلامية، لكن هذا الأمر مشروط بمدى انصياع القوى الوطنية اللبنانية، والدخول في مثل هذه المتاهات المظلمة. دون إغفال، انه إذا ما حاول شارون وبإشارة أمريكية بفتح معركته أردنياً، فسيفرض على سوريا ذات المواقف التي ستتخذها إزاء لبنان، وهذا الأمر سيخلط الكثير من الأوراق، وسيشرع التدخل الأمريكي، دون أدنى شك، لصياغة الجغرافيا السياسية في بلاد الشام على أسس جديدة تتوافق والرؤية الأمريكية الجديدة إزاء هذه البقعة، وبما يؤمن لإسرائيل القدرة على التحكم بسير الأحداث في إقليم بلاد الشام. وكل هذا سيجري بالتزامن مع خلق فراغ سياسي في العراق قد يمتد إلى سنوات، دون خلق بدائل كما جرى في أفغانستان، لاسباب كثيرة كما والحال في أفغانستان، والذي ستستخدم فيه أمريكا ب52 وأخواتها والقنابل الاستراتيجية التي استخدمتها في أفغانستان، بهدف زيادة الخلط في الأوراق. وهنا ليس غريبا أو من نافر القول، الذي بتنا نسمعه من الإعلام العربي الشامي برمته، والذي يؤكد بأن العملية السلمية التي انطلقت في مدريد، انتهت وتلاشت، وهذا إذا ما دلل على شيء إنما يدلل على أن الدول العربية باتت تدرك، أو تعي جيداً بأن القادم هو حرب شاملة في المنطقة. ومن نافلة القول، أن خطاب حسن نصر الله، الذي ألقاه في أوتوستراد هادي نصر الله، والذي حمل نبرة التحدي، في ديمومة حزبه للتصدي للاحتلال، وفتح المعركة مع اسرائيل من الشمال، إذا ما حاولت تهجير الفلسطينيين، إلى الأردن وغيرها من الدول المجاورة، والتأكيد على قوة حزبه أضعاف أضعاف مما كان عليه في لحظة تحرير الجنوب، يدلل على أن الحرب أصبحت على الأبواب، وأن الخيارات السياسية، أصبحت أضعف من أي وقت مضى. لكن السؤال، إذا ما حدث كل هذا الخلط في الأوراق في المنطقة، أي مستقبل سينتظر المصالح الأمريكية في المنطقة؟ وما هي النتيجة التي ستحصدها أوروبا من هذا الخلط؟ والاهم من ذلك على ماذا تعتمد اسرائيل إذا ما دخلت بشكل واسع في تعميم مشروعها، وما هي الضمانات التي تمتلكها لنجاحها في هذه المهمة الصعبة والخطرة على مستقبلها؟ هذه الأسئلة تجيب عليها الأطراف ذاتها في الأيام أو الأسابيع أو إذا شئت الأشهر القليلة المقبلة، أما ما يمكننا الإجابة عليه، القول بأن العملية السلمية أصبحت في مهب الريح، وأن الشروط الإسرائيلية المسكوت عنها أمريكياً، لا يمكن لاحد في هذه المنطقة القبول بها وأن المرحلة الثانية من الحرب ضد ما يسمى بالإرهاب، قد بدأت بفلسطين وستمتد إلى بلاد الشام والعراق، بصرف النظر عن مقولات اليأس أو التيئيس. دون إسقاط ما يسمى بمحاولات تضييق المساحات السياسية لتحرك عربي موحد بهدف مواجهة هذه السيناريوهات الجهنمية التي أعدت في جانبها الأكبر، مع رش بعض الرشاوى على بعض القوى التي ستتوافق مع الرؤية الأمريكية ـ الإسرائيلية لما ستكون عليه المنطقة بشكلها النهائي. ـ كاتب فلسطيني