الديمقراطية بمعناها الغربي من أحزاب وانتخابات ومشاركة شعبية إيجابية عاشت أسوأ فتراتها خلال السنوات العشر الأخيرة، ووصل الأمر بالشعوب التي تعيش في ظلها أن بدأت تتخلى عن النخبة التي تتولى العمل السياسي بعد أن تحولت السياسة من خدمة جماهيرية إلى مهنة للارتزاق على حساب تلك الجماهير، بل ومصدرا للفساد وإفساد المؤسسات التي تدير هذه المجتمعات. كان المدافعون عن الديمقراطية خلال تلك السنوات، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي المنافس التقليدي والشماعة التي كان السياسيون الغربيون يعلقون عليها فسادهم، يحاولون إبعاد الشبهة عن الديمقراطية كنظام سياسي، ويعتبرونا الأفضل في الأنظمة القائمة، ويلقون بعبء الفساد على المتسلقين الذين يستخدمون ذلك النظام للإثراء على حساب شعوبهم بأنها ديمقراطيات تنتمي إلى العالم الثالث، بمعنى أنها مزروعة في أرض حديثة العهد بها ولم تمتلك شعوبها بعد الخبرة التي تمكنها من ممارستها دون أخطاء، ووجدوا في شخصيات مثل كارلوس ساليناس رئيس المكسيك السابق، وكارلوس منعم في الأرجنتين، وكذلك ألبيرتو فوجيموري في البيرو أمثلة على هذا الفساد، ويحاولون إخفاء فساد الديمقراطيات الأوروبية. تساقط الرموز لكن تساقط رموز أوروبية كانت تبرق في سماء الغرب بإنجازاتها التاريخية مثل كرايسكي في إيطاليا الذي مات في منفاه الاختياري في تونس بعد أن هرب من حكم بالسجن لضلوعه في عمليات فساد وإفساد مالي وأخلاقي، ثم اتهام ميتران في فرنسا باتهامات مماثلة أنقذه الموت من المثول أمام المحاكم، وطالت بعد ذلك العملاق الألماني «هلموت كول» الذي كان لأكثر من عقد من الزمان قائدا لأوروبا، وأعاد لبلاده كرامتها الممتهنة منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، بل اعتبره البعض «بسمارك» القرن العشرين بعد أن لعب دورا مهما في إسقاط الاتحاد السوفيتي، وجنى ثمار هذا السقوط بإعادة الوحدة لبلاده التي كانت ممزقة القلب والجسد لكثر من نصف قرن. ثم الاتهامات بالفساد التي كانت وراء سقوط الحزب الاشتراكي في إسبانيا، وتاتشر في بريطانيا، ثم هزيمة حزبها التاريخية بزعامة جون ميجور بعد ذلك دليلا على أن تلك الديمقراطية مصابة بأمراض لا تقل خطورة عن الأمراض التي تنتج عن أي نظام دكتاتوري سوى في أن من يخطئ يعاقب، وليس هناك استثناء للهروب من العقاب خاصة بعد انتهاك كرامة الجنرال بينوتشيه دكتاتور التشيلي السابق الذي ظل رهن محبسه في لندن لأكثر من عام، ولم ينقذه سوى خدماته السابقة لبريطانيا خلال حربها مع الأرجنتين حول جزر المالفين. بعد أن أصبحت أخطاء الديمقراطية بارزة لكل من يشاء تحول المدافعون عنها إلى الحديث عن أنها النظام الأقل سوءا بين الأنظمة السياسية القائمة في العالم، لكن هذا الواقع المرير ظل يظلل كل الجوانب المضيئة في هذا النظام السياسي، خاصة بعد أن امتد الفساد ليشمل أحزابا وصلت إلى السلطة تحت شعار محاربة الفساد كما هو الحال في إيطاليا التي نجح رجل الأعمال سيلفيو بيرلسكوني في الوصول إلى كرسي الحكم فيها على الرغم من انه متهم في العديد من قضايا الفساد المالي والسياسي والأخلاقي، ليس في إيطاليا فقط، بل في العديد من الدول الأوروبية التي كانت تطالب بمحاكمته بسبب هذه القضايا، ولكنها تقف الآن عاجزة بعد أن أصبح محصنا بمنصبه السياسي. أو في فرنسا التي يتهرب رئيسها جاك شيراك من المثول أمام القضاء في قضايا سوء استخدام السلطة خلال فترة عمادته لباريس متحصنا في منصبه السياسي، أو إسبانيا مع الحزب اليميني الحاكم حاليا الذي وصل إلى السلطة تحت شعار تنظيف السياسة من فساد الحكومة الاشتراكية السابقة، ولم يمض سوى فترة صغيرة من وجوده في الحكم حتى وجد نائب رئيسه وعدد من وزرائه تحت شبهة استغلال السياسة للإثراء على حساب أموال المودعين الصغار ف مؤسسات مالية يتعاملون معها من خلال منصبهم السياسي، إضافة إلى اتهامات أخرى باستغلال السياسة في الحصول على مميزات لأعمالهم وشركاتهم الخاصة. الارتزاق بالسياسة على الرغم من كل هذه الفضائح كان البعض يرى أن مثل هذه الفضائح تظل مجرد تجاوزات هامشية، ولا تضر كثيرا مثل الأنظمة غير الديمقراطية التي يصل جبروتها إلى حد الاعتداء على الحياة الشخصية لأفراد شعوبها، سواء بالتعذيب أو التذييب الجسدي في الأحماض، وكانوا يرون أن أمام الشعب في الأنظمة الديمقراطية على الرغم من تجاوزاتها فرصة التخلص من المفسد والفاسد باختيار البديل في الانتخابات التالية، وفي رأيهم تلك ميزة مهمة لا يجب التغاضي عنها. لكن الحقيقة أن تلك الشعوب بعد أن يأست من الوصول إلى طريقة لمواجهة تلك التجاوزات بعد أن تحولت إلى مهنة، وتحول الساسة إلى مهنيين يرتزقون من العمل في مسرحية هزلية مملة، ولم يعد أمامهم سوى مقاطعة الفرجة على هذا الهزل، لذلك وجدنا انه في كثير من الأحيان كان الناخبون الذين يدلون بآرائهم لا تصل نسبتهم إلى نصف عدد الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية، ولو أننا افترضنا أن الحزب المنتصر الذي يتولى السلطة لا يحصل من هذه الأصوات إلا أقل من النصف، يمكننا أن نقول أن الأحزاب الحاكمة في أوروبا تحكم باسم أقل من ربع الناخبين، أي أنها حكومات أقلية حتى لو تمتعت بالأغلبية المطلقة في البرلمان، ومن هنا بدأ الحديث بين فلاسفة السياسة عن الأغلبية الصامتة في هذه الديمقراطية الشكلية. مرت السنوات وفلاسفة السياسة غارقون في البحث عن حل بديل لحساب تلك الأغلبية الصامتة حتى تكتمل الديمقراطية شكلا ومضمونا. لكن يبدو أن هؤلاء الفلاسفة لم يكن بحثهم منصبا على الوصول إلى علاج لهذه الأمراض التي أصابت الديمقراطية بالشيخوخة المبكرة، بقدر ما كانوا ينتظرون أن يأتي يوما ما يجدون فيه شخصا يهتم بالشأن السياسي يتمتع بحس المسئولية، ويرى أن اختيار الأقلية له في ظل الديمقراطية الشكلية القائمة لها الحق في أن تضع حدودا لاختيارها، وعلى السياسي أن يكون يقظا ويتبين دائما هذه الحدود ويضعها نصب عينيه، ولا يجب ان يهملها أو يتغاضى عنها. امتحان مزعج طال الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى جاء هذا السياسي الذي قرأ الرسالة الموجهة إليه من الشعب وقرر أن يتخلى على الفور عن منصبه بعد أن فهم أن ناخبيه فقدوا الثقة فيه، وكان هذا الشخص هو أنطونيو جوتيريس زعيم الحزب الاشتراكي ورئيس وزراء البرتغال حتى الاثنين الماضي، فقد قدم الرجل استقالته لرئيس الجمهورية قبل عامين من انتهاء فترة رئاسته الثانية بعد أن خسر حزبه الانتخابات المحلية التي كانت بالنسبة له رسالة واضحة جدا بسحب الثقة فيه وفي حزبه، على الرغم من أن الخسارة كانت في انتخابات محلية لاختيار العمد والمشايخ والبلديات ولا علاقة لها بعضوية البرلمان الوطني الذي يتمتع فيه رئيس الوزراء بأغلبية تكاد تكون مطلقة. لا شك أن تلك الاستقالة كانت مزعجة لمعظم السياسيين الأوروبيين الذي وجدوا فيها شذوذا يحرجهم، ويمكنه أن يضعهم موضع الامتحان في أي لحظة، خاصة أن معظم الدول الأوروبية تجري فيها الانتخابات المحلية والبلدية في مواعيد تختلف عن مواعيد الانتخابات العامة لاختيار أعضاء البرلمان، وكثيرا ما واجهت الأحزاب الأوروبية الموقف الذي وجد رئيس الوزراء البرتغالي فيه نفسه، ومع ذلك لم نجد زعيما سياسيا واحدا قرأ رسالة الناخبين بسحب الثقة في شخصه وفي حزبه كما قرأها الزعيم الاشتراكي البرتغالي، وبناء عليها اتخذ قراره بالاستقالة حتى قبل اكتمال فرز الأصوات. ربما كان هذا الانزعاج هو السبب الرئيسي وراء الصمت الرسمي للزعماء السياسيين الأوروبيين الذين يواجهون الموقف نفسه ولا يبدو أنهم يرغبون في السير على طريق الزعيم السياسي المستقيل، بل أن بعضهم انتقد موقف الزعيم البرتغالي باسم الوطنية ، بل أن بعضهم اعتبر استقالته هروبا من مسئوليته عن هزيمة حزبه بدلا من التعامل معها على أنها الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلكه سياسي شريف يرى في السياسة عملا وطنيا. استقالة أنطونيو جوتيريس من منصبه كرئيس لوزراء البرتغال، وكذلك من زعامة الحزب الاشتراكي تعتبر سابقة سياسية تاريخية، وتفتح باب الأمل أمام الأغلبية الصامتة في أن يستقيم الوضع مستقبلا في بلاد ديمقراطية أخرى، والعودة إلى المشاركة في العمليات الانتخابية من خلال ممارسة العقاب الإيجابي بدلا من اليأس من الواقع السياسي الفاسد الذي يكاد يعم معظم الدول الديمقراطية. ربما لهذا السبب كان الإعلام المستقل منصفا للرجل، ومطالبا الآخرين من السياسيين اتخاذه مثالا يحتذى حتى لا تفقد الجماهير إلى الأبد ثقتها في النظام السياسي فيسقط بتقادم الزمن. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا