«..من الغربان غراب الليل وهو الذي ترك أخلاق الغربان وتشبه بأخلاق البوم، ومنها غراب البين وهو نوعان أحدهما غربان صغار معروفة بالضعف واللؤم والآخر كل غراب يتشاءم به، وإنما لزمه هذا الاسم لأن الغراب إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في مرابض بيوتهم يلتمس ويتقمم فيتشاءمون به ويتطيرون منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلا إذا بانوا فسموه غراب البين، ثم كرهوا اطلاق ذلك الاسم له مخلافة الزجر والطيرة، وعلموا انه نافذ البصر صافي العين حتى قالوا أصفى من عين الغراب، فسموه الأعور كناية كما كنوا طيره من الأعمى فكنوه أبا بصير، وبها اكتنى الأعشى بعد أن عمي. ومن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب، وليس في الأرض بارح ولا نطيح ولا قعيد ولا أعضب ولا شيء مما يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه»! هكذا تحدث الجاحظ في كتابه «الحيوان» عن أنواع الغربان، وفصل في أكثر من عشرين صفحة عن طائر الشؤم هذا، وحملت كتب التراث العربي الكثير من الحكايات والأشعار التي تصف شؤمه وتهجوه وأطلقوا عليه العديد من الأوصاف والألقاب بالاضافة إلى ما ذكره الجاحظ في كتابه مثل اسم حاتم لأنه يحتم عندهم بالفراق، وأيضاً كان له نصيب كبير في أقوال وأمثال العرب، قال عنه أحد الشعراء القدامى: ومن يكن الغراب له دليلا يمر به على جيف الكلاب ووصفه شاعر آخر: إذا ما غراب البين صاح فقل له ترفق رماك الله يا طير بالبعد لأنت على العشاق أقبح منظر وأبشع في الابصار من رؤية اللحد تصيح ببين ثم تعثر ماشيا وتبرز في ثوب من الحزن مسوّد متى صحت صح البين وانقطع الرجا كأنك من يوم الفراق على وعد المشئوم .. ذكي جداً! هذا الطائر الذي تهجم عليه العرب في تراثهم ومعتقداتهم وعادته معظم شعوب الأرض انصفه العلم الحديث. يقول علماء الطيور عن فصيلة الغربان انها طيور تتميز بالذكاء الخارق، فالغراب يعلن للطيور الأخرى عن اقتراب الاخطار ويمكن ان يحدد مكانها، ويعرف الصياد انه يستطيع الاقتراب أكثر من الغراب إذا لم تكن في يده بندقية ويمكن ان يبرهن على ذكائه بالغربان الأسيرة التي تبتكر الحيل العديدة حتى محاكاة الانسان وتقليده في لفظ بعض الكلمات. وقبل اكتشاف العلم الحديث لمقدرات هذا الطائر، ذكره القرآن الكريم وهو من الطيور القليلة جدا التي ذكرت بالاسم، وجاء ذكره في حديث قاتل أخيه عندما بعث الله غراباً ليتعلم منه كيف يواري سوءة أخيه، فكان أول معلم للانسان منذ بدء الخليقة في عملية دفن الموتى. لماذا اليد اليمنى؟ مطلع هذا الأسبوع نشر خبر علمي يعد كشفاً جديداً يتعلق بخريطة الانسان المجهولة وراء هذا الكشف طائر الغراب، فمن الظواهر الانسانية التي حيرت العلماء زمناً طويلاً هي اعتماد الانسان على يده اليمنى، حاولوا كثيرا كشف الظاهرة وفك طلاسمها لكنهم فشلوا في ذلك، الغراب أعطاهم مؤخرا المفتاح لذلك. يقول الخبر: ان العلماء في جامعة أوكلاند الأمريكية لاحظوا ان الغراب يستخدم الجهة اليمنى من منقاره في ترتيب أوراق الشجر، واستنتجوا من ذلك ان ايثار احدى اليدين على الأخرى عند الانسان يتكون نتيجة تأدية جملة من الأعمال المعقدة بإحدى الجهتين. وفسر العلماء ان الاعتماد على اليد اليمنى له منشأ واحد عند مختلف الحيوانات وينجم عن المهارة في تأدية مختلف الأعمال المعقدة، وكان اعتقاد العلماء ان الميل لاستخدام اليد اليمنى عند الانسان يتعلق بالقدرة على الكلام إلا ان تصرف الغراب جعلهم يعيدون النظر في هذا الاعتقاد، فالعالم «جيفن هنت» الذي قاد العلماء في متابعة هذه الظاهرة يرى ان تأدية الأعمال المعقدة تؤدي إلى ظهور أدوات العمل أو ظهور اللغة، ويؤدي تركيز النشاطين في النصف الأيمن من الدماغ إلى تحسين النتائج الصادرة عنهما، فقضية تحول الانسان إلى أعسر أو يميني هي نتيجة للفعالية أو النشاط. العلماء ذكروا ان تصرف الغراب بالجهة اليمنى من منقاره لا مثيل له، ولم يلحظه العلماء عند الحيوانات الأخرى بما فيها الشمبانزي القريب من الانسان في صفاته وتكوينه. غربان الامارات عن الطيور في الامارات أصدر المجمع الثقافي قبل عدة سنوات واحداً من أهم المراجع العلمية في هذا المجال، هو كتاب «طيور الامارات» لمؤلفه كولن ريتشاردسون والذي ترجمه ساعد العوضي، ميزة هذا الكتاب انه يقدم مادة علمية بحثية مقرونة بالرسوم الايضاحية وصور لأشكال هذه الطيور ودراسة الاماكن والفصول التي تتواجد فيها ومواسم هجرتها. عن أنواع الغربان في الامارات يذكر المؤلف وجود أربعة أنواع منها هي: غراب الملك وغراب الليل، الأول مهاجر شتوي والثاني مهاجر عابر شائع وزائر شتوي يتواجد على هيئة اسراب من عشرين طائراً أو أكثر عند الهجرة ويتواجد قرب المياه العذبة والمالحة وبرك الري والمجاري المكشوفة. أما النوع الثالث هو غراب المنزل وهو مقيم بكثرة في مدن الساحل الشرقي والموانئ والقرى الساحلية، حيث أصبح وباء ويفضل مناطق الأشجار العالية في المتنزهات والحدائق الكبيرة وبخاصة بساتين النخيل والمزروعات ونادراً ما يتواجد داخل البراري. وغراب نوح هو النوع الرابع، مقيم وشائع إلى حد ما، وله نطاق واسع وشامل بالنسبة لاختيار بيئته يشاهد في الصحراء القاحلة والمناطق شبه الصحراوية والجبال والكثبان الساحلية، وبعيداً عن المدن والساحل، غالباً ما يرى وهو محلق عالياً في الجو كما يشكل مجموعات كبيرة تتغذى على النفايات. بقي لون الغراب انه الأمر الذي لا يتغير أبداً فيه، في كل العصور والمواقع والمناسبات قد تتغير السمعة ويتغير كل شيء في الغراب وحوله إلا لونه أسود وسيظل أسود وكما يقول المثل الصيني «الغراب الأسود أسود في كل الأصقاع».