أهلا بكم الى الطاولة الوردية، انها واحدة من أجمل الطاولات في مطعمنا، وستقوم روزي بخدمتكم وتلبية كافة طلباتكم. بهذه العبارات الدمثة يستقبل نادل مطعم خمسة نجوم زبائنه، وطبعاً ليس نادلاً عادياً، انه رئيس الخدم الذي يسهر على راحة الزبائن وسعادة أوقاتهم خلال الطعام. وفي فندق من ذات الدرجة يقودك المدير الليلي الى احدى الغرف مادحاً المكان الذي يقصده النجوم من كل انحاء الدنيا مؤكداً ان غرفتك هذه نام فيها جورج الخامس وفرانك سيناترا واسماعيل ياسين وكانت ذات ليلة من نصيب مارلين مونرو وفيفيان لي وجورج صاند. ومن ثم يبتسم بطريقة مدربة خاتما ترحيبه بك بعبارة قاصمة «أنت ضيف ملكي»، وبعدها يطلب من شخص يسير خلفكما بالفرنسية أن يهتم بك، لكنه لم يقل ذلك صراحة بل قال بشكل موارب لحامل الحقائب: استلمه انه لك! وربما كانت محدثتك على الطرف الآخر فتاة ذات صوت دافئ تقول لك بلكنة لبنانية مناطقية «نسبة لبعض المناطق» مبروك لقد اختارك الكمبيوتر لتفوز بلقب سائح العام، فتعقد المفاجأة لسانك، لأنك لا تدري مع من تتحدث وما هو لقب سائح العام، لكن الفتاة مدربة وذكية وسرعان ما تقول لك: معك شركة اس. اس. بي للسفر عبر المحيط، وقد لقمنا الكمبيوتر مئات الارقام الهاتفية، وقد اختار هاتفك لتكون سائح العام وما عليك سوى الحضور الينا لاكمال اجراءات تتويجك. فتطير الى العنوان الذي اعطتك اياه، وستجد شقة محشورة في أحد الابراج العملاقة عبارة عن غرفة وصالة فيها: كمبيوتر + هاتف + فاكس + كرسي طويل + مكتب + مقعد دوار + مدير مطقوم «يعني يرتدي بدلة» + سكرتيرة مودرن جمالها 6 من 10 ولكن صوتها 10 من 10 ومجموع كل ذلك يعني شركة للسفر عبر المحيط! بعدها ستدفع 100 درهم رسوم دخولك السحب الكبير وستعطيهم صورة شخصية ويشرح لك المدير طريقة تتويجك المذهلة التي ستضعك مع مئات من حول العالم في الكمبيوتر المركزي لتفوز بلقب سائح العام فقط بـ 100 درهم واذا لم تفز فان المئة درهم طارت الى الكمبيوتر المركزي بل ان آلاف المئات من الدراهم تطير الى الكمبيوتر المركزي ليثرى منها شخص مقيم في جزيرة «سيشيل» ومن ثم تطير الايام والاشهر دون طيرانك عبر المحيط لأن الكمبيوتر «النزيه» اختار سائحا اخر من جزيرة الواق واق! القاسم المشترك الاعظم في القصص الثلاث الآنفة هو القدرة على الاقناع وهي قدرة استثنائية، يعني ان تجلس الى طاولة غطاؤها وردي اللون ونادلتها اسمها روزي استجلبت خصيصا من أوروبا الشرقية لخدمة هذه الطاولة، ليس امرا عادياً! وان تنام في غرفة ملكية شخر فيها ذات ليلة اسماعيل ياسين وحامل حقائبك يتقن الفرنسية، ليس امراً عادياً! وان يختارك الكمبيوتر لتعبر المحيط على جناح مئة درهم ليس أمراً عادياً! انها واحدة من عدة النصب والاحتيال، حيث ان الطاولة الوردية لا تفرق أبداً عن تلك الزرقاء أو الحمراء أو الخضراء، بل انها اقل شأنا لأنها قريبة من المغاسل والحمامات ومكانها في الممر يعني الداخل والخارج يمكن ان يبحلق في صحنك ويحسدك على هذه المعدة التي ستهضم قطعة لحم جافة بجانبها بعض الخضار المسلوقة البائتة. كما ان غرفتك الملكية لا نافذة لها ومكيفها يعمل نص نص وان السرير قد اهترأ من كثرة النوم وهذا يعني آلاماً مبرحة في عمودك الفقري صباحاً. ولن يفوتك «اذا كنت ذكياً» ان رقم هاتفك ليس مميزاً حتى يختارك الكمبيوتر لتكون سائح العام، حيث انك مجرد شخص بسيط يسهل سلبه مبلغاً من النقود ويخجل من المطالبة به، لأنه مجرد مبلغ صغير. هذا لانك لم تحسبها جيداً، فلو كنت تجيد الحساب لأدركت أن ثرياً أفاقاً احتال عليك وعلى آلاف مثلك يقيم في غرفة ملكية في جزيرة سيشيل يتنعم بنقودك ونقود غيرك من عباد الله الغلابة المساكين. مهن كتلك «لو صحت تسميتها مهن» تحتاج الى رطانة، ودماثة، وذكاء، وثاني أوكسيد الاحتيال بالاضافة الى اتقان الصيد، طبعاً صيد الزبائن وليس صيد السمك، فما هو الفرق بين طاولتك الوردية وغرفتك الملكية ورقم هاتفك عن جميع الطاولات والغرف والهواتف سوى ذلك الفرق الذي قاله اعرابي ذات يوم حينما سئل عن فتاته المختارة، فأجاب: والله اني ارى الشمس على دارها احلى مما هي على دار غيرها!. E.mail:H-S-D@MAKTOOB.COM