تفاصيل المشهد الثقافي في مجتمع الامارات عديدة، وتجد الكثير من الدعم والرعاية، في الوقت الذي تلاقي فيه صنوفاً مختلفة من الاهمال والتجاهل، ومع ذلك فإن القافلة تمضي لأن وراءها من يدفعها للأمام ايماناً واخلاصاً وانتماء، وتعتبر أيام الشارقة المسرحية واحدة من الاضاءات الجميلة في المسار الثقافي الذي يشقه المجتمع والشارقة تحديداً لتأصيل ذلك المشهد الذي يحتاج الى الكثير من الجهود والدعم والايمان، كي يتحول في مقبل الأيام الى ممارسة حياتية اعتيادية بين أفراد المجتمع. انك لكي تبني عمارة من ستين طابقاً، او تشق طريقاً يربط بين مدينتين، او تؤسس لمدن تجارية أو لأضخم مراكز التسوق، فأنت لا تحتاج لأكثر من تمويل مصرفي ضخم يتولى توفير بقية الوسائل والأدوات المادية والبشرية، ولكنك ايضاً ستحتاج الى دعم حكومي وتسهيلات توفرها لك الدولة، بعدها يصبح كل شيء جاهزاً للاستعمال والاكتمال. ولكنك لكي تؤسس بنية ثقافية مهما كانت بساطتها، فأنت تحتاج الى أن تحفر في صخر الواقع، وتلافيف الأدمغة، وحنايا الموروث والتربية واستعدادات التنشئة، حتى تضمن لمشروعك الثقافي النجاح والاستمرار خاصة حينما تحلم بأن يتحول هذا المشروع الى واقع وفعل وممارسة، فإذا أردته ان يستمر وان يصبح جزءاً من المشهد الاجتماعي العام الذي يتعاطى معه الجمهور برغبة واقتناع فإن عليك ان تنتظر سنوات طويلة، هذا ما يعرفه ويجمع عليه المهتمون بالشأن الثقافي في عالمنا العربي. يحدث هذا في عالمنا العربي الذي لم يصل بعد الى قناعة الايمان بضرورة الفن في الحياة العامة، الفن كضرورة تغيير وارتقاء، وليس ضرورة استهلاك ورفاهية يحكمها المزاج وتقلبات الطقس، في عالمنا العربي لم نصل بعد رغم هذا الزمن الطويل من الممارسة الى ان المسرح ابو الفنون فعلاً، او ان السينما فن سابع رفيع، وان النحت فن تعبيري راقٍ، وارتياد المتاحف ثقافة من نوع مختلف و....الخ. في مجتمعنا كذلك ما زلنا في أول الطريق باتجاه هذه القناعات، وليس ذلك لعيب في مقدرتنا على الفهم والاستيعاب والانفاق، وانما لأسباب اخرى تتعلق بعلاقتنا بهذه الفنون، وبعمقها الزمني في تاريخنا، وبنظرتنا التي تحكمها موروثات دينية وتراثية وتربوية معينة، وبواقع اجتماعي وسياسي يدفعك وفقاً لمساحات ضيقة ـ وهزيلة احياناً ـ تنفق فيها أوقاتك دون أدنى رغبة لديك في التفكير في فن ومسرح ومعارض تشكيلية! ولن نبرئ ساحة وسائل الاعلام من اذاعة وتلفزيون وصحف، فهذه للأسف لا تقوم بدورها المطلوب باتجاه تعميق وتشجيع قيم هذه الفنون في حياتنا الاجتماعية، ودورها في الارتقاء بذوق الفرد وتحضره الانساني، كل ما تقوم به هذه الوسائل هو الاكتفاء بنقل وقائع افتتاح فعالية معينة نظراً لبعدها السياسي ووزنها الكبير نتيجة وجود شخصيات ذات ثقل سياسي كبير، ثم الاكتفاء بتقرير او خبر يرسل للصحافة وانتهى الأمر حتى العام المقبل، يتفاوت في ذلك تلفزيون عن آخر بسبب وجوده في المنطقة او الامارة التي تحتوي الحدث! لقد ابتلينا بحقبة من الفن ومسئولي فضائيات ووسائل اعلام لا يفعلون شيئاً سوى الهبوط اكثر وأكثر بذوق الانسان واختياراته تحت مسميات لا علاقة لها بالفن من قبيل مسرح الضحك للضحك ومسرح الرقص بلا سبب، وسينما المقاولات والمخدرات والأغاني الشبابية ومطربو الصف الثالث وغيرها مما أفرزته هزائمنا السياسية والنفسية وتقهقرنا الاقتصادي والثقافي والروحي، ومع ذلك فإن هذا الفن هو الذي يجد ما يبرره ومن يتبناه وينشره ويفرد له مساحات كبيرة في الصحف والمجلات وأوقات غالية على شاشات التلفزة! لماذا لا تتبنى محطاتنا كثيراً من الفن المحلي مسرح وسينما وتشكيل؟ سؤال يحتاج الى اجابة مقنعة، لماذا لا نجد الفنان الاماراتي على شاشات التلفزيون مع انه موجود وبقوة ويحظى بالتكريم والاحترام في كافة المهرجانات العربية؟ لماذا لا تفرد لهم سهرات ولقاءات كما يحدث لغيرهم من دخلاء الفن وصغار الفنانين ممن لا يعرفهم احد؟ لماذا تفرد شاشاتنا وصحفنا مساحاتها مجاناً لأصغر فنان وأتفه فنان يأتي من أقصى بقعة في العالم العربي ولا تفعل ذلك مع أبناء الوطن؟ هل نقول بأننا مثل (عين عذاري) التي تروي البعيد وتنسى القريب كما يردد أخوتنا في البحرين؟ فإذا كان لعين عذاري عذر طبيعي، فما عذر أهل صحفنا وتلفزيوناتنا؟! aishasultan@hotmail.com