«حصان طروادة» في اساطير اليونان الأقدمين هو اقرب الى الدسيسة المزروعة بين الصفوف يقصد زارعوها الى تنشيط الهمم واحباط المخططات. وفي ميدان صناعة النفط العالمي يحاول الامريكان ومصالحهم طائلة في هذا المضمار ان يسندوا الى روسيا دور حصان طروادة المذكور اعلاه. فحين دعت منظمة الاقطار المصدرة للنفط (اوبك) الى خفض كميات الانتاج من اجل الحفاظ على استقرار الاسعار في السوق الدولية ومن ثم الحيلولة دون ترهورها فوجئت الاوساط النفطية العالمية بان روسيا لن تنصاع الى مثل هذا الطلب اولا بحجة انها ليست عضوا في منظمة الاوبك وثانيا بدعوى انها بحاجة اقتصادية الى الحفاظ على مستويات انتاجها الراهنة ان لم تعمد في مستقبل قريب الى زيادتها. امريكا وحرب الارهاب ولان النفط ـ كما هو بديهي ومعروف ـ سلعة تتسم بابعاد سياسية ـ استراتيجية فضلا عن البعد الاقتصادي والتجاري ـ لم يسع المحللون سوى الى ان يربطوا بين حالة التوتر السياسي الشديد التي تعيشها بل تعانيها الولايات المتحدة في هذه المرحلة ـ مرحلة ما بعد احداث سبتمبر الماضي المؤسفة وبين المواقف التي تصدغها وتستخدمها واشنطن ازاء دول العالم وقضاياه المختلفة وقد اطلت على هذا كله من المنظور الذي مازال مستخدما في الحياة السياسية الامريكية وهو منظور الحرب ضد الارهاب اطلت واشنطن من هذا المنظور وخلصت الى تصنيفات للدول على اساس ما تراه امريكا من درجات التحمس او الفتور او التأثير او التحفظ وكله كله على الترمومتر الذي رسمته وكرسته امريكا واطلقت عليه «مكافحة الارهاب». بوادر الغزل السياسي ولقد اشرنا في احاديث سبقت الى بوادر شهر العسل المفعم بالغزل المعلن حينا والمستتر احيانا بين واشنطن وموسكو وبين مواقع او محاور هذا الغزل يبرز الشأن النفطي الروسي الذي تحرص الادبيات الامريكية المتخصصة على تأكيد خروجه على اجماع الاوبيك من جهة ورسم اكثر من مستقبل وردي لهذا النفط الروسي المرتقب من جهة اخرى ويكاد المرء يشعر ان في الآن وسائل غير مباشرة تكاد تقول لمنتجي النفط في الشرق الاوسط.. عربا او غير عرب: نحن ندرك اهمية ما تملكون في ارضكم ومن ثم نعرف حق المعرفة قوة نفوذكم وفعالية الدور الذي تقررونه على مسرح صناعة النفط في عالم اليوم ـ لكن.. رويدكم لقد اقمنا جسورا جديدة من المودة مع صديقنا الروسي الند اكتشفناه مؤخرا بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي. وهذا الصديق الروسي يمكن ان يقوم بدور مؤثر ايضا على المسرح النفطي بحيث لايظل البطل الاول فوق خشبة هذا المسرح الخطير، وهو منطقة الشرق الاوسط. امريكا.. النفط والأموال ورغم ان امريكا لاتتزود من الشرق الاوسط سوى بنسبة عشرة في المئة فقط من وارداتها النفطية ـ على نحو ما ألمحنا اليه في مبحث سابق الا ان امريكا ـ شركاتها واحتكاراتها وهياكلها المصرفية ومؤسسات تدوير الاموال التابعة لها.. امريكا بهذا المفهوم لها مصلحة قومية عليا في انتاج وتسويق ونقل وتصدير بترول الشرق الاوسط سواء في ضوء علاقاتها التاريخية بالمنطقة او في ضوء الشروط السوبر ـ ممتازة للتعامل مع نفط المنطقة من منظور كميات الناتج الو معقولية التسعير او الموقع الجغرافي الممتاز وسبل النقل الميسورة سواء من خلال الانابيب او الناقلات كل هذا ناهيك عن مكانة الشرق الاوسط على قائمة الاحتياطي النفطي العالمي. واذا كانت امريكا قد اوفدت في اوائل شهر ديسمبر وزير الطاقة في ادارتها ليلتقي بنظرائه سواء من اباطرة الصناعة او من مسئولي السياسة النفطية في الكرملين، فان ما يلفت نظر اي محلل سياسي هو ان كبرى شركات النفط «الوطنية» الروسية باتت تستقدم ـ او «تستورد» عناصر من الخبراء الامريكان لكي يتولوا مناصب عليا عند قمة ادارة هذه الشركات، ها هي شركة يوكوس ـ ثاني اكبر شركة نفط في عموم روسيا وقد استوردت خبير النفط الامريكي «جوماك» ليعمل نائبا لرئيس الشركة الروسية وسرعان ما اطلق السيد ماك اولى تصريحاته الذي اعلن فيه انه سوف يبحث عن النفط في اراضي روسيا بنفس الهمة والحماس الذي يبحث فيه لصوص البنوك في امريكا عن خزائن الاموال (!) وعلى مستؤى الارقام اعلن ايضا ان شركته سوف تزيد ناتجها النفطي بنسبة تزيد على ثلاثين في المئة بحلول عام 2005 اي بمعدل 1.6 مليون برميل يوميا ربما يتجاوز انتاج امريكا النفطي في منطقة «ألاسكا» الشمالية وايضا بما يعادل نسبة 8 في المئة من مجموع احتياجات امريكا النفطية في الوقت الراهن. توقيت التصريحات واهمية هذه التصريحات تكمن في توقيتها الذي يواكب دعوة الاوبيك على نحو ما اسلفنا الى خفض الانتاج حفاظا على استقرار الاسعار وتزيد اهميتها ايضا ـ في نظر المراقبين ـ لان المديرين المستوردين من امريكا يبدون اكثر اهتماما بها لاشباع جانب الربح المادي وهو ما يعود على المدير ـ الفرد بمزايا مالية طائلة تحسب طبعا في خانة اصفار المليون الستة وقد لايغيب عن البال ثانيا ان هناك العامل السياسي او شبه السياسي الذي يلعب دوره في هذه المرحلة بالذات من حيث محاولة الضغط على منتجي الشرق الاوسط بخاصة واعضاء الاوبيك بشكل عام والتلويح امامهم بان ثمة منافسا جديدا وخطيرا هو روسيا وحقولها النفطية الواعدة في سبيريا في هذا السياق يمكن ان تفهم مغزى التصريح الذي تبرع به الخبير الامريكي المذكور اعلاه ـ السيد جو ماك وقال فيه: في السنوات الخمسين المقبلة سيكون هناك ثلاثة لاعبين رئيسيين على مسرح انتاج النفط في العالم كله بمعنى ثلاث مناطق محورية للانتاج وهي: حقول اعماق البحار وحقول الشرق الأوسط ثم حقول غربي سيبيريا في روسيا. عندما استجابت روسيا مع هذا كله فقد جاءت اللحظة التي اثبتت فيها منظمة الأوبيك قدرتها وفعالياتها ومهارتها في ادارة الشأن النفطي على مستوى العالم، وقد ألمحنا في مبحث سابق حول الموضوع، إلا ان الأوبيك كانت قد طلبت إلى أكبر 3 منتجين غير أعضائها ان يقوموا بتخفيض الانتاج، وذكرنا ان اثنين منهم وهما المكسيك والنرويج استجابا إلى هذا الطلب المعقول في حين ان الطرف الثالث وهو روسيا أبدى استجابة متقاعسة أو هامشية أو مشكوكاً فيها وهو ما جعل الأوساط الأمريكية تفرك أيديها تشجيعاً وجزلاً بعد ان هيأت لها ظروف التقارب الأمريكي ـ الروسي الأخيرة حصان طروادة النفطي أو الورقة الروسية التي يمكن من خلالها تفريق صفوف المنتجين على نحو ما ألمحنا في صدر هذا المبحث ولو كان ذلك على حساب اصابة السوق النفطية العالمية بمرض التخمة ومن ثم تدهور الأسعار بكل ما ينجم عن ذلك من انعكاسات سلبية في معظها على اقتصادات الدول المنتجة وخطط التنمية التي اعتمدتها لصالح شعوبها. مع هذا كله فقد أعلنت روسيا يوم الأربعاء الخامس من ديسمبر الحالي انها وافقت على تخفيض كميات الانتاج بواقع 150 ألف برميل يومياً، وهو قرار تصفه «سابرينا تافرنيسي» الكاتبة الأمريكية المتخصصة في الشئون النفطية بأنه كفيل بأن يستجيب للاستقطاعات التي طالبت بها دول الأوبيك خاصة وقد جاء القرار الروسي ليكسر حاجز الجمود أو التوتر الذي أصاب المفاوضات التي ظلت تدور بين الجانبين «الأوبك وموسكو» على مدار شهر كامل. رغم هذه الاستجابة فما زال على محللي السوق من يصف هذا القرار الروسي بأنه اجراء على الورق وانه اقرب إلى المجاملة منه إلى التدبير المؤثر أو الفعال، وهم يذهبون في ذلك إلى ان الأمر لا يعدو تحصيل حاصل وخاصة في فصل الشتاء الذي يشهد في العادة انخفاضا في صادرات روسيا من النفط وارتفاعاً في استهلاكها الداخلي من المحروقات، ومنهم من يدلل على ذلك بأن القرار الروسي لم يؤثر كثيراً بعد اعلانه على سعر البرميل النفطي حيث بلغ السعر مع نهاية التعامل في نيويورك للبرميل الخام 19.49 من الدولارات، ومع ذلك فثمة اوساط نفطية في الشرق الأوسط بالذات رحبت بالقرار الروسي واصفة اتخاذه بأنه جاء خطوة على الطريق الصحيح وكان من مديرو أكبر شركات النفط الروسية التسع قد اجتمعوا يوم الأربعاء ـ الخامس من ديسمبر إلى رئيس الوزراء الروسي مخائيل كاسيانوف الذي طرح عليهم أهمية الاستجابة لطلبات الأوبيك، ومن ثم جاءت موافقتهم على خفض انتاج شركاتهم بنسبة 5 في المئة من الصادرات الروسية اليومية من النفط الخام، بذلك تكون الأوبك قد اقتربت من هدف التخفيض الذي رسمته لمسار الصادرات النفطية المطروحة في السوق الدولية وهو 500 ألف برميل يومياً من المنتجين الثلاثة الذين أشرنا إليهم من غير اعضاء المنظمة العتيدة بعد ان كانت النرويج قد وافقت على خفض صادراتها بمقدار 100 ألف برميل فيما وافقت المكسيك على الخفض بواقع 300 ألف برميل نفط يومياً، وسواء كان الاجراء الروسي أمراً لم يكلف موسكو شيئا كما يقول محللون أمريكيون ربما بشيء من من الحنق أو الغيظ ـ لا ندري ـ أو سواء جاء الاجراء المذكور وكأنه لمسة علاقات عامة بمعنى لمسة «بروباجندا» من جانب الكرملين على نحو ما يذكر ستيفين سولثيان مدير مجموعة استثمارات أمريكية تتخذ مقرها في موسكو (!) وتعنى طبعاً بشئون النفط، وشجونه، فالحاصل ان احجام روسيا في السابق أو تمنعها أو الدلال الذي ساقته منذ منتصف نوفمبر الماضي ازاء خفض الانتاج أودى بسعر برميل الخام في أسواق العالم إلى هبوط بلغ 17.45 دولارا أي بانخفاض بلغت نسبته في مدى عامين 11.6 في المئة. اللوبي النفطي الروسي مع هذا كله فلا يزال اللوبي النفطي الروسي منقسماً على نفسه بين الذين اتخذوا مسألة التخفيض على محمل الجدية منهم شركة «تويمن أويل» رابع أكبر الشركات الروسية التي أعلنت انها سوف تخفض استثماراتها في عام 2002 المقبل بنحو 700 مليون دولار في صور اجراءات خفض الانتاج الذي سيبدأ سريان مفعوله في أول يناير المقبل كما تقول الكاتبة «سابرينا تافارنيسي» (ملحق التجارة والاقتصاد ـ نيويورك تايمز، 6/12/2001) وفي هذا الصدد يقول رئيس الشركة المذكورة: علينا ان نستعد بالفعل لخفض الانتاج. ولا مجال في هذا للغش أو الخداع، على الجانب الآخر من القضية تقف شركة أخرى ظلت تنشط في معارضة تخفيض الانتاج هي شركة «سبنفط» التي أعلنت ان قرار التخفيض لن يؤثر على خططها ومشاريعها الخاصة بزيادة انتاجها على مدار العام المقبل بنسبة 22 في المئة.وبين الموقفين، ثمة من يقول على الساحة الروسية ان مشكلة روسيا تكمن في افتقارها إلى المرافق الصالحة فنيا وعلمياً وأمنياً لتخزين كميات النفط الزائدة لديها، ومن ثم فإن الخام النفطي الزائد سوف يتم توجيهه إلى دول أخرى داخلة مع روسيا في رابطة «كمنولث» الدول المستقلة مثل بيلاروسيا (روسيا البيضاء) أو اوكرانيا حيث يتم تكريره في مصافيها ومن ثم ارساله إلى أسواق أخرى. أين موقف الكرملين؟ ربما يكون هذا هو موقف الفنيين أو التكنوقراط المشرفين على الصناعة النفطية في روسيا من أمريكيين وغير أمريكيين طبعاً بخلاف ابناء روسيا نفسها.يبقى السؤال المهم: ما هو موقف الكرملين، السلطة العليا في روسيا من هذا كله؟ عن هذا السؤال نعود إلى الكاتبة سابرينا تافارنيسي التي تقول في وضوح مباشر: فيما تكلف الأسواق على تداول الأرقام وحصرها فإن روسيا ستظل ماضية على طريق ضخ المزيد من النفط وتوطيد وترسيخ دورها بوصفها واحداً من أهم منتجي النفط في العالم. وتمضي المحللة الأمريكية لتقول: في حديث أدلى به الرئيس بوتين إلى وفد من الصحفيين اليونانيين قال الرئيس الروسي ان دعوة روسيا إلى خفض الانتاج هي في رأيي عنصر من عناصر معركة المنافسة ان روسيا لديها نفط وبكميات كافية وأكثر من ذلك فنحن على استعداد لأن نزيد امداداته وان نقوم بتصديرها، وهكذا تحدث أكبر مسئول في روسيا، ونحن نتصور ان كلماته هذه بحاجة إلى تأمل عميق وتحليل اعمق من جانب دوائر شتى وخاصة لدى المنتجين في منطقة الشرق الأوسط. ولقد تحدد اليوم الأول من العام الوشيك موعداً لترجمة اجراءات الخفض الروسية إلى واقع عملي وهو موعد ليس بالبعيد في كل حال. ـ كاتب سياسي من مصر