ان نتفاءل كعرب بالمستقبل فهذا ضروري، فالتفاؤل مطلوب بل وحتمي خاصة ونحن «خير أمة» كما وصفنا القرآن. لكن ان نغرق في التفاؤل ونعتقد ان «كل شيء على ما يرام» فتلك هي الكارثة. وفي هذه الايام يفترض اننا نعيش اياماً سعيدة ومباركة بحكم نهاية شهر رمضان وعيد الفطر، ووسائل اعلامنا خاصة فضائياتنا المتكاثرة لم تقصر في اشاعة جو البهجة الكاذبة والمستقبل الوردي. لكن الواقع أو المفارقة المحزنة أن كل مظاهر واقعنا تقول بلا مواربة اننا نعيش «حالة هزيمة كاملة» بكل ما تعنيه العبارة من معنى، ولكل من يتشكك في ذلك فعليه فقط ان يلقي نظرة سريعة على واقعنا المأساوي. ـ في أول أيام العيد ألقى الرئيس الفلسطيني خطاباً شاملاً، هذا الخطاب ببساطة هو إعلان رسمي بهزيمة الأمة العربية، شخصياً لا ألوم عرفات رغم معارضتي لغالبية توجهاته، الخطاب أعلن بوضوح نهاية الانتفاضة، تلك الظاهرة النبيلة الوحيدة في نفق هزيمتنا الطويل والمظلم، ووافق على كل ما طلبته القوة المتجبرة الوحيدة في العالم وتابعتها اسرائيل. وعرفات لم يعلن خطاب الهزيمة الا بعد ان تخلى عنه كل العرب الذين اكتفوا ببيانات الشجب والتنديد والعزاء وواصلوا حياتهم العادية وكأن شيئاً لم يكن وبراءة الأطفال في عيونهم! ـ كعرب أصبحنا نتنافس فيما بيننا عن تخمين الدولة المقبلة التي سيحل عليها الدور بعد أفغانستان.. هل هي السودان أم اليمن أم لبنان أم...؟ وكأن هذه الدول تقع في قارة الاوقيانوس أو بجوار ميكرونيزيا!! ـ لا ندرك حتى هذه اللحظة ان كشف الحساب المطلوب منا كعرب ان نسدده للولايات المتحدة جراء أحداث سبتمبر لم يحن بعد، وجعبة الحاوي الامريكي الاسرائيلي مليئة بآلاف المطالب التي لن تكتفي فقط بإغلاق كل الجمعيات الخيرية الاسلامية او حتى مراقبة الحج، بل ربما ستشمل مراقبة أداء المسلم لصلواته، وهمسه لزوجته داخل المنزل. ـ نكتفي في وسائل اعلامنا بلعن أمريكا وتأثيرات اللوبي الصهيوني ولم نحرك ساكناً لمواجهة كل ذلك، معتقدين ان معجزة ستتحقق وتغير كل ذلك في لمحة عين. ـ نواصل ممارسة حياتنا اليومية بلا احساس بأننا منقادون الى هاوية سحيقة قد نتعرض في نهايتها للانقراض بفعل اللعبة الجهنمية الكبرى التي يتم فيها احكام الطوق حول كل رقابنا، وأسلوبنا لم يتغير، وأدواتنا كما هي، فما كان موجود في الخمسينيات والستينيات ما زال كما هو الآن، ولا ندري ان العالم يتغير كل لحظة، والاختراعات تتوالى، والانجازات تترى، ونحن نكتفي بالاندهاش ببلاهة، فقط نمارس الاستمتاع بمنجزات الغرب الذي نلعنه ليل نهار. واصبح الجدل الوحيد الذي نمارسه الآن يدور حول الحاج متولي وزوجاته رغم ان الواقع يقول ببساطة ان اي رجل عربي يصعب عليه ان ينظر في عين امرأته ونحن نعيش هذه الهزيمة، ولم نعد نتذكر ما قاله الشاعر الراحل أمل دنقل في قصيدته الشهيرة «زرقاء اليمامة» معلقاً على طلب البعض بالاستسلام لمطالب العدو: كيف تستطيع ان تنظر في عين امرأة أنت فارسها الوحيد، كيف تستطيب الثريد، كيف تنظر في عين طفلة؟!! لكن الحاج متولي وكلنا معجبون به يمارس النظر في عيون زوجاته وأطفاله بفخر وكأن شيئاً لم يكن ونحن به معجبون ومقلدون! علنيا ان نفوق من الأوهام التي نعيشها ونعلن أننا فعلاً أمة مهزومة حتى نتمكن من بدء تلقي العلاج اللازم للخروج من هذه الأزمة المستحكمة، وليكن شعارنا «كشكشها وما تعرضهاش» طبقاً لنظرية فيلسوفة عصرنا زكية زكريا، والعبارة بالعامية المصرية لمن لا يعلم تعني ببساطة ان نعيش على قدر حالنا او «نلم الموضوع» وان نتوقف عن الفشخرة الكذابة. فالأسوأ لم يأتي بعد والحل الوحيد كما قال صلاح عبدالصبور قبل أكثر من 30 عاماً هو «انفجروا أو موتوا». Email:emadiraqi@yahoo.com