انتهى شهر رمضان واقتربت النهاية للمسلسلات التي احتشدت بها التلفزيونات العربية. وكالعادة، لا نذهب إلى منزل أحد الأقرباء أو الأصدقاء، أو يأتي الأقرباء أو الأصدقاء إلينا، إلا ويدور الحديث حول السياسة أولا، ابتداء من سقوط طالبان وانتهاء بالإرهاب البشع الذي تمارسه إسرائيل على شعب مسكين وحكومة فلسطينية بائسة، تعاني وشعبها ويلات الإرهاب الإسرائيلي بينما العالم العربي كله، من المحيط إلى الخليج جالس يتفرج، عاجز، مشلول، غير قادر على فعل شيء على الإطلاق، ويبدأ الحديث بعد الإفطار بإعلان التعاطف مع الشعب الفلسطيني، وصب اللعنات على شارون اللعين، ذلك السفاح الذي تفوق على كل السفاحين الذين نعرفهم، لكن لا يخرج الأمر على ما يجاوز الكلام إلى الفعل، ونظل في دائرة الأسى والشجن والحزن الذي لا طائل وراءه. ولا أملك إزاء هذا الوضع العاجز المهين سوى أن استرجع في ذهني كل الهجائيات الشعرية التي صبها الشعراء العرب على هذا التابوت الممدد من المحيط إلى الخليج، ولا أفعل شيئا أكثر من ذلك، بل أندفع مثل غيري إلى موضوع آخر، كما لو كنت أبحث عن مهرب أدفن فيه عاري العربي الممتد بعدد سكان الأمة العربية وحكوماتها. ويخرج الحديث من لعنة شارون وإرهاب دولته إلى طالبان وأخبار سقوطها، ويلتفت الجميع بلا استثناء إلى صور النساء اللاتي قررن رفع النقاب الذي فرضوه عليهن، والبحث عن عمل، وإعلان الرغبة في مواصلة التعليم. ويعرج الحديث على الحلاقين الذين ازدهرت أحوالهم بسقوط طالبان، وعن المئات الذين اندفعوا إلى صالونات الحلاقين ليحلقوا اللحى الكثيفة التي كان طولها بحجم الكف أمرا لا سبيل إلى الفرار منه، وإلا نال صاحبها العقاب، ولا ننسى الإشارة إلى ما تناقلته التلفزيونات العالمية من إعادة فتح أبواب السينمات، والتزاحم عليها، وعودة الناس إلى الشاشة الفضية والحلم أمامها بكل ما كان محرما عليهم، ولكننا مهما شرق الحديث وغرب في أخبار طالبان، نعود إلى حديث المرأة، ونؤكد أن المرأة إذا تحررت لا يمكن قمعها، وأنها إذا نالت حظها من التعليم لا يمكن حبسها إلى ما لا نهاية، قد يسلب القامعون حريتها لوقت يطول أو يقصر، ولكن مهما طال ليل القمع الواقع عليها فإن صبحا لابد أن يأتي ويحرر هذه المرأة من الإرهاب الواقع عليها، والظلم الكئيب الذي تعانيه، وهذا هو ما تمر به المرأة الأفغانية، منعتها طالبان من الخروج، ومن التعليم، ومن العمل، ومن ممارسة أي نشاط إلى جانب الرجل، وبالطبع كان النشاط السياسي، من رابع المستحيلات، وأبرزت طالبان وجها من أقبح الوجوه الحضارية بل وجها من أكثر الوجوه البشعة عداء للحضارة، وكل ذلك باسم الإسلام الذي يبرأ من التطرف ومن التعصب ومن دعوات التخلف التي تجمعت وتركزت في سلوك طالبان إزاء المرأة. وللأسف لم تنته لعنة طالبان بأيد إسلامية وإنما بأيد أجنبية تتزعمها الولايات المتحدة التي رعت طالبان وساعدتها عندما احتاجت إليها بوصفها سلاحا من أسلحة مقاومتها للوجود السوفييتي في أفغانستان. وسرعان ما تخلت عنها بعد أن أدت مهمتها، وبعد أن انتهت الشيوعية في أفغانستان، وخرج الجنود السوفييت. وأصبحت أفغانستان دولة طالبانية، تحكمها تعاليم القرون المظلمة، وفتاوى التطرف المقيت، وكانت النتيجة الحروب الداخلية التي دمرت هذا البلد المسلم تدميرا، وسيطرة طالبان على أفغانستان بمنطق تحريم كل شيء، وفي الوقت نفسه إباحة زراعة الأفيون والمتاجرة فيه، وباركت الولايات المتحدة كل ما فعلته طالبان في أفغانستان، ما ظلت طالبان معادية للشيوعية، وطاردة لها، ومؤكدة التخلف الذي لا يدفع الأفغان إلى التحرر من قيود الاستعمار الجديد غير المنظور. ولكن عندما تحالفت طالبان مع أسامة بن لادن في الجهاد العالمي، وتوجيه الضربات إلى الولايات المتحدة بوصفها الشيطان المعاصر، أخذت الولايات المتحدة تلتفت إلى الثعبان الذي رعته، والذي وصل به الحال إلى الآن لدغها لدغة قاتلة في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وهنا أعلنت الولايات المتحدة الحرب، ودعت إليها حلفاءها الطبيعيين في أوروبا وآسيا، وانضمت إليها الدول العربية التي كانت بالأمس ترعى طالبان وترسل إليها المال والسلاح، وتشجع أبناءها على السفر للانضمام إلى أقرانهم، وتشكيل ما أصبح يعرف باسم الأفغان العرب، وأصبح هؤلاء الذين كانوا يجدون التشجيع من حكوماتهم ليذهبوا إلى أفغانستان مطاردين من حكوماتهم نفسها، بل مطاردين من العالم كله، ولا مفر لهم أو مهرب، وليس عليهم سوى القتال اليائس، أو الوقوع في الأسر الذي ينتهي إلى مذابح تقضى عليهم. وإلى الآن تعيش فلول الأفغان العرب مطاردة من الجميع، من أمريكا وحلفائها، من الأفغان الذين صنعوا ما يسمى بالتحالف الشمالي، ومن الدول العربية المتأهبة للانقضاض على من تضع أيديها عليه. وضع بائس، ومأساة محزنة، وكارثة تضيف إلى الكارثة التي تتكرر كل يوم في فلسطين المحتلة. ولا يخرجنا من جو الاكتئاب إلا تذكر وجوه النساء الفرحات بالحرية في أفغانستان والعودة إليهن مرة أخرى في مسامرات ما بعد الافطار. ويبدو أن ذكر النساء لابد أن يفضي إلى ما صنعه مسلسل الحاج متولي بالمشاهدين العرب، فالمسلسل يتصل بأخبار النساء ومكانة المرأة والحاج متولي تاجر بالغ الثراء، ومزواج حريص على أن يعدل بين زوجاته الثلاث، ويستعد للزواج من الرابعة التي يكتشف أن ابنه يحبها، فيواجه الحاج مشكلة عمره، وينتقم لنفسه بالزواج من صديقة حبيبة ابنه. وتمضى أحداث المسلسل. مؤكد نور الشريف ممثل رائع، قدير، خفيف الظل قادر على انتزاع البسمة والضحكة والاعجاب كذلك، وهو محاط بممثلات قديرات يتنافسن في الأداء خفيف الظل، بحيث يصعب تحديد أيهن أكثر قدرة، والدليل على ذلك أن تلفزيونين على الأقل لبنان وتونس يعلنان في فضائية كل منهما عن جائزتين الأولى بتوقعات المشاهدين، والثانية عن أكثر زوجات متولي جاذبية، ويبدو أن الحاج متولي أصاب الجميع بلوثة، فالجميع يشاهدون المسلسل، وواضح أن الأمر يجاوز مصر إلى غيرها من الأقطار العربية.. ولذلك يمكن لك أن تشاهد الحلقة الواحدة خمس مرات في اليوم الواحد بتتبع إذاعتها في أوقات مختلفة عبر الفضائيات العربية. وغطى المسلسل على كل المسلسلات الأخرى، حتى مسلسل بوابة الحلواني الجميل للكاتب القدير محفوظ عبد الرحمن لم يستطع أن يقاوم جاذبية الحاج متولي الذي بدا أنه غزا القلوب، وأزاح جورج قرداحي من عرش قلوب النساء اللائي لم يكن لهن حديث إلا عنه، فأصبح الحديث كله عن الحاج متولي. والعجيب أن المسلسل متخلف في محتواه أو مضمونه ويدعو صراحة إلى الزواج مثنى وثلاث ورباعا، ويضرب عرض الحائط بالتحذير: (وإن خفتم أن لا تعدلوا) فالحاج متولي فيما يبدو عادل بطريقته، أما حرية المرأة واستقلالها وكرامتها فإلى حيث القت، فنقود الحاج متولي كفيلة بالقضاء على ذلك كله، وجاذبية الممثلين كمراوغة السيناريو الخطر تثير من أفكار التخلف ما يثير ضحكة الغيظ، بل يثير المرأة التي تسعى إلى استكمال حقوقها المشروعة والعادلة في الوجود. وما أكثر المجالس التي حضرتها، وامتلأت بأحاديث الحاج متولي والسخط عليه والاعجاب به في وقت واحد، الاعجاب الذي يشترك فيه رجال ونساء مثل السخط الذي يجمع بين رجال ونساء بالقدر نفسه.وأذكر أن صديقة سألتني في أحد هذه المجالس: إذا كنت متأكدا من تخلف المسلسل على هذا النحو، فبماذا تبرر إقبال الناس عليه ؟! ولم أتردد طويلا في الإجابة، فبراعة التمثيل يمكن أن تؤدي إلى مخادعة المشاهدين، وتقديم السم إليهم من خلال عسل الفن، ويقوي ذلك عندما يكون كاتب السيناريو بارعا، وقادرا على رسم شخصيات حية، يمكن أن يكون لها أشباه في الواقع فيمارس اللعبة نفسها: دس السم في العسل، وأتصور أن هذا ما يفعله الكثيرون: كاتب السيناريو مصطفي محرم والنجم الساطع نور الشريف، والفاتنات الأربع أو الخمس أو حتى الست أو السبع، وأضيف إلى ذلك الإخراج، كل ذلك يجعلنا نحن الذين نطالب بتحرير المرأة، ونؤمن عقليا بمساواتها بالرجل، نعجب دون أن ندري بالحاج متولي. ولم تتركني الصديقة التي كانت تسألني أكمل الرد عليها، وقاطعتني قائلة: لا تنس أنكم معشر الرجال بداخلكم الحاج متولي، وأنكم جميعا رغم الثقافة والتعليم والشعارات التي ترفعونها تخفون في أعمق أعماقكم الحاج متولي، فإذا ظهر لكم إمكان حضوره ابتهجتم وابتسمتم ووجدتم أنفسكم فيه، فأنتم جميعا الحاج متولي.