لو كنت جورج بوش لتمنيت الا تعثر القوات الامريكية على اسامة بن لادن الا بعد ان يكون قد فارق الحياة، فالقبض على ابن لادن حيا سوف يكون حلقة اولى في مسلسل من الحرج السياسي الدولي للولايات المتحدة. حتى هذه اللحظة لا تعرف الادارة الامريكية على وجه الدقة اين وجود ابن لادن وما اذا كان ميتا او على قيد الحياة، هذا على الاقل ما يرد على نحو يومي تقريبا من تصريحات على ألسنة كبار المسئولين الامريكيين انفسهم بمن في ذلك رامسفيلد وزير الدفاع وباول وزير الخارجية وكوندوليزا رايس مستشارة البيت الابيض للأمن القومي بالاضافة الى القادة العسكريين الميدانيين وعلى رأسهم الجنرال تومي فرانكس. لكن هذه التصريحات اليومية المتعددة لاتخلو من تخمينات متوافقة حينا ومتناقضة حينا آخر. ولذا فانها لا تفلح الا في اثارة المزيد من التساؤلات تلو التساؤلات: فاذا افترضنا ان ابن لادن لا يزال على قيد الحياة، فهل هو مختبيء داخل افغانستان؟ واذا كان لا يزال في مكان ما في افغانستان فهل يقع هذا المكان في الجنوب ام الشرق؟ ان التخمين الامريكي الاوحد الذي يكاد يرقى الى مستوى حقيقة لكن دون ان يبلغ مستوى اليقين التام، هو ان ابن لادن ليس موجودا في مغاور وكهوف جبال «تورا بورا». وعلى اساس فرضية انه فرّ من هناك مع آخر مجموعة من كبار مساعديه ومقاتليه في تنظيم «القاعدة» فهل اتجه فعلا صوب الجانب الباكستاني من الجبال ملتجئا الى معاقل القبائل الباكستانية الحدودية؟ اما انه بطريقة ما استطاع الفرار الى خارج باكستان؟ وبالطبع تبقى ايضا الفرضية الرئيسية الاخرى وهي ان اسامة ابن لادن ربما يكون قد تلقى اصابة قاتلة اثناء القصف الجوي الامريكي الاخير على جبال تورا بورا. ولكن كيف تتصرف الادارة الامريكية لو وقع ابن لادن في يد القوات الامريكية اسيرا على قيد الحياة؟ في زيارته للمرة الاولى الى افغانستان في مطلع هذا الاسبوع سأل الصحفيون الامريكيون وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ماذا تفعل واشنطن بابن لادن اذ قبض عليه حيا. فاجاب الوزير انه في هذه الحالة سوف ينقل هذا الاسير الكبير الى «مكان آمن» لاستجوابه قبل ان يعطى الرئيس الامريكي اذنا بتقديمه الى محكمة عسكرية، او يقرر غير ذلك. هنا سوف يبدأ مسلسل الحرج السياسي سواء قدم ابن لادن الى محكمة مدنية عادية او محكمة عسكرية. المحكمة المدنية سوف تكون مداولاتها مفتوحة وسوف تتمتع فيها هيئة الدفاع بحرياتها وامتيازاتها القانونية الكاملة واغلب الظن ان هيئة الاتهام سوف تخسر القضية لان فرق التحقيق التي ظلت تقوم باستجواب مئات المشتبه بهم في الولايات المتحدة لم تستطع ان تبلور حتى الآن اي مجموعة ادلة قانونية قاطعة يمكن ان تصمد في اي محاكمة. وربما لهذا السبب بالضبط سوف يقرر الرئيس الامريكي تحويل القضية الى محكمة عسكرية. فمداولات المحكمة العسكرية سرية ثم ان حرية هيئة الدفاع فيها مقيدة ولان المحاكم العسكرية تخضع للسلطة التنفيذية الحكومية فانها لا تتمتع باستقلال كالمحاكم المدنية، ثم ان احكام القضاة العسكريين غير قابلة للاستئناف. ومغزى الحرج السياسي هو انه في حالة المحاكمة المدنية تواجه الادارة الامريكية احتمال ان يخرج ابن لادن من المحكمة بريئا، اما في الحالة الثانية التي سوف تكون الادانة فيها حتمية مسبقا فان العالم سوف يظل متشككا في مدى عدالة الحكم. ولننتظر لنرى.