أي مصداقية للانظمة العربية حول الوعود والتطمينات الأمريكية من أن الحرب المعلنة ضد الارهاب لن تطول العراق، بينما تؤكد الشواهد على أن القوات الأمريكية الجوية والبحرية والبرية باتت على أهبة الاستعداد لسحق العراق وتقسيمه بمجرد انجاز مهمتها في أفغانستان، وكيف غابت فطنة عمرو موسى وهو يؤكد على أن جميع الدول العربية ترفض ضرب العراق، في الوقت الذي تقصف الطائرات الأمريكية يوميا العراق بالصواريخ، وإحكام حصاره وتجويعه على مدى أحد عشر عاما، وراح ضحيته مليون ونصف مليون عراقي معظمهم من الأطفال، أليس الأحرى بالأمين العام للجامعة العربية بداهة - في ضوء صلاحياته - بذل جهوده لرفع الحصار العربي أولا عن العراق، وتطبيع العلاقات بين بغداد والكويت والرياض كخطوة قومية ضرورية وواجبة لاستعادة اللحمة العربية، إيذانا بالتحشد القومي لدرء العدوان الوشيك على العراق، خاصة بعدما تكشف للعالم أبعاد الحملة الأمريكية المعلنة ضد الارهاب، وأنها لا تستهدف سوى تركيع العرب والمسلمين فحسب واستلاب ارادتهم ومقدراتهم، يتساوى في ذلك السودان والصومال وسوريا ولبنان وفلسطين أو العراق وباكستان، خاصة بعد حملة ترويع العرب والمسلمين المغتربين في أمريكا وأوروبا ومعاملتهم كفئات منبوذة من الدرجة الثالثة وجواسيس وشياطين، وادراج منظمات المقاومة العربية والاسلامية في قوائم الارهاب، والى حد مصادرة أرصدة الجمعيات الخيرية والاغاثية في المصارف والبنوك، فهل بعد ذلك مجال للشك في أن العرب والمسلمين يواجهون حربا صليبية شرسة تقودها أمريكا، واذا كانت أزمة الخليج الثانية عام 1990 شرارة اندلاعها، فلاشك أنها لن تهدأ وتضع أوزارها إلا بعد فصم علاقة العرب والمسلمين بموروثهم الحضاري وهويتهم الثقافية وعقيدتهم الدينية، ولعل قمة المأساة تكمن في وفاء الأنظمة العربية بما هو مطلوب منها أمريكيا لتنفيذ هذه المهمة دون إبطاء، فلا يكفي ما قدمته لسلطات التحقيق الأمريكية من ملفات أمنية حول مواطنيها المشتبه في تطرفهم وصلاتهم بالجماعات الأصولية، بل وأن توافيها أولا بأول بكل المعلومات العامة والشخصية عن مواطنيها، إذ فضلا عن كون هذا الاذعان تفريطا في سلطة السيادة، وأن تتحول أجهزة الأمن العربية الى تابع ومرؤوس للسلطات الأمنية والقضائية الأمريكية، إلا أن الأدهى والأمر أن تجد بعض الدول العربية نفسها في نهاية المطاف عاجزة عن القيام بدورها الوطني والقومي بعد أن تحولت الى تابع يدور في الفلك الأمريكي، ولعل البدايات تنبئ بالتوقعات، فمن كان يدور بخلده أن تلتزم هذه الأنظمة بصمت القبول بينما إخوانهم المسلمين والعرب المجاهدين، سابقا، يذبحون في أفغانستان، ثم علينا أن نتوقف ونتأمل حال الشعوب العربية المغلوبة على أمرها التي وجدت نفسها مكبلة بالقوانين الاستثنائية فلم تبادر الى الخروج في مظاهرة واحدة للتنديد بالوحشية الأمريكية في أفغانستان أو غطرسة النازية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وهكذا قنعت هذه الشعوب رغم أنفها بمتابعة مشاهد قتل وترويع اخوانهم وأشقائهم عبر القنوات الفضائية، وربما الانصراف عنها خشية تأنيب الضمير، والرقاد بلا كوابيس الى حين الخروج الى العمل في الصباح وشقاء البحث عن لقمة العيش وهلم جرا! هنا أتذكر واقعتين هامتين الأولى عندما امتنعت السلطات في ميناء نيويورك أوائل الخمسينيات عن تموين الباخرة المصرية كليوباترا بالماء والغذاء والوقود، وعندئذ تداعت جميع الموانيء العربية لنداء أسعد راجح رئيس اتحاد العمال العرب آنذاك وامتنعت عن تموين البواخر الأمريكية، وتراجع العمال الأمريكيون في ميناء نيويورك وكان للباخرة كليوباترا ما أرادت، أما الواقعة الثانية فكان لقائي الأخير بالمفكر والكاتب الكبير أحمد بهاء الدين قبيل غيبوبة المرض الذي ألم به، وكانت موجة التطبيع مع اسرائيل في بدايتها، وأمريكا تنسج خيوطها السياسية والاقتصادية حول مصر لعزلها عن أمتها العربية وقال: أخشى إن لم نبادر الى إجهاض المؤامرة في مهدها أن يأتي اليوم الذي نحاسب فيه بأثر رجعي على كتاباتنا ومواقفنا المناهضة لأمريكا واسرائيل، ولا أحسبه يرحمه الله قد تجاوز الواقع العربي والاسلامي الراهن كثيرا، ومع ذلك لا تزال الفرصة متاحة أمام الانظمة لانقاذ الوطن العربي من الهجمة الصليبية الأمريكية العاتية عبر الاحتماء بالشعوب، ولن يتأتى ذلك إلا باطلاق حريتها في التعبير عن ضميرها الجمعي ورؤاها ومواقفها الوطنية والقومية من دون إملاء أو وصاية، ولعلها تدرك قبل فوات الأوان أن أمريكا لن تفرق بين نظام معاد ونظام صديق أو معتدل، فالمسألة ليست سوى ضرب المربوط أولا حتى يرتدع السايب الى حين يأتي عليه الدور! ـ كاتب مصري