(1) شاب قد تجاوز الثلاثين بقليل هكذا يبدو لي، لا يعرفني ولا أعرفه ألقيت عليه السلام وأنا خارج من صلاة المغرب فرد عليّ السلام وقال بلا مقدمات ما هذا العيد؟ أو ما بال العيد؟ فسألته ماذا تعني فأجاب أين الناس أو ما بال الناس في العيد؟ قلت إنها الدنيا لعلها تغيرت، قال بل الدنيا كما هي لا تتغير، قلت إذن هم الناس قد تغيروا قال نعم نعم هم الناس. ثم استطرد ذلك الشاب الاماراتي في ذكرياته حيث كانوا يجلسون في هذا الحي في العيد أمام هذا المسجد ويذكر وجيهاً من وجهاء القوم كانوا يجلسون في مجلسه. ثم افترقنا، وأنا أتساءل ما هذا الحزن الذي في كلام هذا الشاب الذي لا أعرفه عن العيد ما مبعثه؟ وهو الشاب الذي بإمكانه ان يستمتع كيفما أراد في هذا العيد، يبدو أنه فقد العيد ومتعته الخاصة. (2) أعطني عشرين درهماً، عشرين لا أريد أقل من ذلك، هكذا بدأ ذلك الطفل متشبثاً بطلبه وأنا أفرّق العيدية على أقرانه في فناء منزل أحد كبار عائلتي. وعجبت له يصر على العشرين وسرعان ما رأيت نفسي وأنا صغير مع أقراني في الأحياء القديمة نركض من بيت لبيت صباح العيد حتى مسائه نجمع «العيدية» من منازل الحي ونعود بحصيلة قد لا تجاوز العشرين درهما خلال طيلة ثلاثة أيام العيد. انه الجيل الجديد الذي لم يعد يعرف معنى الدرهم ولا معنى العيد الحقيقي، وكيف تُرضي هذا الطفل الخمسة دراهم وهو يأخذها كل صباح ويصرفها في فناء مدرسته بلا معنى؟ (3) طبعاً أنا فيا تقدم اتكلم عن أطفالنا نحن الطبقة المتوسطة في الامارات، أما أبناء الطبقة الأخرى فإن العشرين درهما هذه لا تعني لهم شيئًا، انك تستحي ان تعطيها لبعض أطفال تلك الطبقة المتخمة لأنهم لا يعرفونها في حياتهم اليومية، فكيف يقبلونها عيدية العيد. أعرف احد الأصدقاء القدامى الذي تقطعت بيننا وبينه الصلات، وقد تزوج من فتاةٍ أهلها من الطبقة المتخمة إلى حد ما. يصرف رزمة كبيرة كل عيد من فئة المئة درهم ليوزعها على أطفال عائلة زوجته الغنية، أما راتبه فلو قسمته إلى مئات فلن يكفي مئة طفل من أطفال عائلة زوجته. (4) ألسنا نفوت على أطفالنا فرحة العيد بعد رمضان ونحن نملأ لهم ليالي رمضان وساحات شوارعنا بالألعاب والمراجيح والحلوى. ان العيد من معانيه الاتيان بالجديد وما الجديد الذي سيجد له الأطفال طعماً وهم قد اعتادوا عليه طوال رمضان من لعب ولهو. من جانب آخر أوَلسنا نفقد انفسنا معنى الاحساس بالالتزام وحرمان النفس من ملذاتها البريئة ولهوها مرضاة للرب في رمضان، ونحن نتخمها بكل ذلك في ليالي رمضان بالسهر واللهو حتى وإن كان بريئاً؟ (5) عجبت لهذا المتنبي الشاعر فإن له حقاً من اسمه حَظ. أوليس في قوله الآتي نبوءة حين قال عن العيد: عيد بأيةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ أوليس في ذلك حل لهذه الحيرة التي نجدها كلما جاء العيد ولم نجد فيه المعنى القديم الذي اعتدناه ونحن أطفال. أقول لعل المتنبي أدرك ذلك حين قال بيته ذلك فعرف ان العيد لا معنى له الا اذا أتى بالجديد فهو لا طعم له بغير تجديد، كل ذلك في الحالة النفسية والمادية وأين لنا في هذا العصر بعيد يفعل ذلك ونحن نسابق العيد بسهر طوال الليل وافراح وألعاب وملاهٍ قبل العيد! فلا نجد في ملاهي العيد وألعابه تجديداً، وأين نجد لملابس العيد الجديدة رونقاً ونحن نلبس الجديد في كل شهر وكل يوم احياناً لكثرة اسرافنا وتبذيرنا حتى بات الجديد من اللباس عندنا لا معنى له ولا طعم. (6) في الحقيقة برغم كل ذلك فإن للعيد بهجته الباقية على الأقل في عودة الذكريات الجميلة التي يعيدها العيد علينا كلما أهلّ. والأجمل من ذلك هذا الاحساس الغامر بالعيد صباح العيد عند صلاة العيد وبعدها وعند السلام على الأهل والأحباب، ولا أدري كيف يجد النائمون عن صلاة العيد طعماً ومعنى للعيد وهم لا يكبرون الخالق ويحمدونه مع الناس في مصلّى العيد.