هل بات امر وقوع حرب اهلية فلسطينية حتما مقضيا؟ نعم .. اذا كان الرئيس يعني حقا ـ وبكل الجدية ـ ما ورد في خطابه الهام الاخير من وعيد ووعد. الوعيد موجه ضمنيا الى منظمات المقاومة الفلسطينية، وعلى الاخص «حماس» و «الجهاد» وفصائلها المسلحة، ومفاد الوعيد هو ان عمليات المقاومة المسلحة، وخاصة العمليات الاستشهادية، سوف تجعل قادة هذه المنظمات وكوادرها عرضة لاجراءات صارمة من قبل السلطة الفلسطينية. ففي سياق كلامه عن العمليات المسلحة عامة والعمليات الاستشهادية خاصة قال عرفات: «سنحاسب كل مدبريها والمخططين لها» ووصف الاجنحة المسلحة التابعة لمنظمات المقاومة بانها «تشكيلات ارهابية خارجة على القانون». اما الوعد فانه موجه ضمنا الى القوى الخارجية: اسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ومضمون هذا الوعد هو ان نهج المفاوضات يشكل ويجب ان يشكل، على حد قول عرفات، «الوسيلة الوحيدة» لحل الصراع ـ اي ان القائد الفلسطيني ينبذ نهائيا اسلوب الكفاح المسلح، عائدا بذلك الى مرحلة اوسلو بعد ان جرفتها انتفاضة الاقصى من مجرى التاريخ الفلسطيني. ماهو سيناريو الاحداث المتوقعة اذن في ضوء هذا التغيير .. اذا اعتمدنا بالطبع فرضية ان الرئيس عرفات، بخطابه التاريخي قرر بكل الجدية طي صفحة وفتح صفحة جديدة؟ نظريا .. ربما تقع اشتباكات مسلحة بين قوات الامن الفلسطينية من ناحية وكوادر منظمات المقاومة. فصيل ما ينفذ عملية استشهادية داخل العمق الاسرائيلي تذهب بحياة عدد من الاسرائيليين تنطلق على الفور فرق من القوات الامنية الفلسطينية لاعتقال من تشتبه انهم ضالعون في تدبير العملية. تواجه الفرق الامنية بمقاومة قتالية وتسفر المواجهة المسلحة عن مصرع اشخاص من جانب واحد او من كلا الجانبين. عندما تتكرر احداث الاشتباكات بين قوات الامن الفلسطينية والعناصر المسلحة لفصائل المقاومة فانها تتحول بالتراكم وتصاعد التوتر الى معارك واسعة النطاق في جميع انحاء غزة والضفة. وهذه هي الحرب الاهلية. اقول ان هذا تصور نظري، لكن على الصعيد العملي فان الوقائع قد تتخذ منحى آخر. فعندما يجد افراد قوات الامن انفسهم يقاتلون فصائل نذرت نفسها لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي فانه يجب عدم استبعاد وقوع حالات تمرد بين صفوف هذه القوات، وبالتالي قد تتغير الولاءات فتفضي الى الانتقال من جانب الى جانب آخر. واذا حدث هذا فانه سوف يلقي بظلاله على مستقبل جهاز السلطة الفلسطينية وهنا يبرز التساؤل الاخير عن مدى حكمة التغيير المنهجي الذي اعلنه الرئيس عرفات. لقد خص الرئيس جزءا كبيرا من خطابه للمتغيرات الدولية السالبة التي نتجت عن احداث سبتمبر الدامية في الولايات المتحدة داعيا الى التفاعل معها لصالح القضية الفلسطينية. ان هذه الملاحظة تستدعي تساؤلين: اولا: الى ان اندلعت انتفاضة الاقصى في سبتمبر 2000، ماذا جنى الشعب الفلسطيني من التنازلات التفاوضية والتعاون مع القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة؟ ثانيا: هل ستبقى في يد الرئيس الفلسطيني اي ورقة تفاوضية ذات قيمة بعد ان يضع نهاية ختامية للمقاومة الشعبية المسلحة. الاجابة على كلا التساؤلين هي بالنفي القاطع .. بينما يبقى اليمين الاسرائيلي الحاكم على عقيدته بان الضفة الغربية لنهر الاردن ارض توراتية لا مساومة عليها.