أثارت وضعية العلاقة بين صانع القرار الأمريكي وأجهزة الإعلام الكثير من التساؤلات داخل الولايات المتحدة وخارجها. وقد أفادت منظمة «صحفيون بلا حدود» التي تتخذ من باريس مقرا لها أن وزارة الدفاع الفرنسية حظرت على وكالة فرنسية تقدم خدمة صور ملتقطة بالأقمار الصناعية أن تبيع صورا من أفغانستان لوسائل الإعلام. واعتبرت المنظمة أن ذلك العمل يرقى إلى مستوى الرقابة. حيث إن فرض حظر عسكري على صور الأقمار الصناعية المدنية يحرم وسائل الإعلام من أداء وظيفتها الرقابية. وبخاصة بعد أن أصبحت كل الصور التي بحوزة وكالة «سبوت إيماج» من أفغانستان والدول المجاورة ـ وضمن ذلك إيران وباكستان ـ متاحة للجيش الفرنسي وحسب. وهو ما يعني أن المشكلة لا تنبع من أسباب ذات خصوصية أمريكية وأنها ربما تركت أثارها على الأداء الإعلامي على جانبي الأطلسي بدرجات متفاوتة. ويدور الآن نقاش حول مدى المشروعية الأخلاقية للقيود التي فرضتها الإدارة الأمريكية على التعاطي الإعلامي مع عمليتها العسكرية ضد أفغانستان. وقد قفز التفسير التآمري لواجهة الخطاب الإعلامي العربي بشكل ملحوظ، ورغم أن ما حدث يلقي بالكثير من ظلال الشك على مصداقية أجهزة الإعلام الغربية. إلا أن الإحساس بالصدمة مصدره أن حقيقة العلاقة بين صانع القرار الغربي وأجهزة الإعلام لها آليات محددة لا يعرفها الكثيرون، رغم عدم حدوث سوابق. ومن يريحهم الاكتفاء بالقول بأن التاريخ يكرر نفسه فتشوا فوجدوا سوابق مماثلة بعضها موغل في القدم. ففي عام 59 قبل ميلاد المسيح أمر يوليوس قيصر بوضع معيار مزدوج للوثائق المتعلقة بالأحداث السياسية. وثار جدل حول القضايا التي يجب أن تبقى سرا تحتفظ به الدولة والقضايا التي يمكن نشرها للعلن. وفي العام نفسه. نظم يوليوس قيصر ما أصبح الآن عرفا مستقرا. فأصبح هناك سجلات خاصة لمداولات مجلس الشيوخ. وأخرى منقحة ومحررة للعامة. وكأن ازدواج المعايير مرض غربي ذو تاريخ عريق. والعلاقة بين الإعلامي وصانع القرار السياسي في الغرب كانت موضوع دراسات عديدة في الغرب حاولت التأريخ للعلاقة ووضعها موضع التحليل. وقد قدم الأكاديمي الأمريكي تيد كاربنتر في كتابه: The captive press تأريخا لتطور هذه العلاقة. وبخاصة أثناء الحروب، فبدءا من أبراهام لينكولن الذي فرض رقابة إجبارية ولاحق الصحافيين الذين يخرقونها والسلطة السياسية تسعى لتطويع الصحافة. وعندما وضعت الحرب العالمية أوزارها كان هناك قناعة لدى الإدارة الأمريكية بأن الصحافة إما أداة يجب استخدامها لبث الإعلام الحكومي أو خصم يجب إلزامه الصمت وخلال الحرب الكورية سادت فكرة مفادها أن «الصحافة المسئولة هي تلك التي تدعم الحرب»، وقد عبر نائب وزير الدفاع الأمريكي (1965) أرثر سيلفستر عن هذه القناعة بأوضح ـ وأوقح ـ تعبير عندما قال أثناء حرب فيتنام: «الإعلام في زمن الحرب ملزم بأن يكون أداة طيعة في يد الحكومة. فهذه مسألة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي. ومن الحيوي جدا عقد قران القلم والسيف»، وقد انتهى الأمر بالصحافيين أن اختاروا بمحض إرادتهم عقد هذا القران. أما الرقابة الطوعية التي فرضتها بعض أجهزة الإعلام الأمريكية على نفسها فيشير كارنبتر إلى أنها ليست أمرا جديدا . وقد أخضعت الصحافية الأمريكية المرموقة جوهانا نيومان هذه العلاقة للتحليل في كتابها : Lights, camera ,war : is media - Technology Driving international politics ? وتقرر هي الأخرى أن السيطرة هي لصانع القرار السياسي. فالتلفزيون «يزودنا بالعدسات وحسب أما القيادة فتزودنا بنقاط الاهتمام والتركيز» وتبرهن على صحة هذا بأن صور الوحشية والدمار التي كانت في البوسنة والصومال كانت متساوية لكن جورج بوش اختار استخدام صور الصومال لكسب تأييد الرأي العام. وتؤكد هذه التجارب أن ملكية وسائل الإعلام ليست الضمان الوحيد لنزاهتها بل تأتي المعايير الأخلاقية في المقام الأول. وأن الموقف من الآخر في الضمير الغربي ما زال موقفا عنصريا وأن مجمع الصناعات العسكرية الذي أحكم سيطرته على الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية مازال صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. ـ كاتب مصري