حاشا لله!!.. لا أقصد أبدا ما يسمى الجنس الثالث، أو من يطلقون عليهم الشواذ، ومع ذلك فإن هؤلاء لهم صوت مسموع وارادة محترمة وجمعيات وأحزاب تدافع عنهم، إنهم هؤلاء الضائعون في المساحة الرمادية بين الرجولة والأنوثة، وإن كانوا للأخيرة أقرب وأشد حنينا. إنما أردت أن أتحدث عن ذلك الشاب الذي قال عنه الرئيس بوش: إنه فتى مسكين تم تضليله، الذي ولد وعاش على أرض أمريكا في عائلة ميسورة الحال، وكان يمكن لو توفرت ظروف أخرى أن يصبح في لحظة ما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. إنه أحد ابناء الحلم الأمريكي الشهير، وأحد أحفاد غزاة الشمال الميامين، الذي قد يكون جون واين أو رونالد ريجان أو جيمس بوند أو رامبو أو.. أو مكفاي الذي فجر مبنى أوكلاهوما الشهير.. لكنه كما قال الرئيس الأمريكي: تم تضليله. كان يمكن له أيضا أن يتورط في أفغانستان، ولكن من خلال كونه أحد عملاء المخابرات المركزية الأمريكية الذين يصنعون العفاريت بشرط أن تتعفرت عليهم، كان يمكن أن يكون أحد العاملين في وكالة المعونة الأمريكية في أي عاصمة مغلوبة على أمرها، يتجسس عليها ويطعمها في نفس الوقت، لكنه فيما يبدو اختار طريقا آخر، بمحض ارادته، بالحرية المطلقة التي يتباهى بها الغرب علينا، لم يختطفه أحد أو يقتحم عليه بيته أو يلعب في دماغه.. لقد قرأ بعمق، وسأل واستفسر، ثم استقر قراره على أن يصبح مسلما، وقام بمحض ارادته أيضا بتغيير اسمه من جون ووكر الى سليمان الفارس. وفي الواقع لم يأخذ العديد من الأمريكيين نفس موقف رئيسهم، فبعضهم طالب برأسه لأنه ببساطة خائن شارك في الحرب ضد بلاده، وتتعجب مجلة النيوزويك في عددها الأخير الذي جعلت من هذا الشاب موضع غلافها، وتقول إن أغلب الشباب حين يتمردون، فإنهم يطمحون الى حرية أكثر، بينما كان هو متمرد ضد الحرية، ولكن أليست تلك أيضا حرية؟؟.. ثم ما هي الحرية التي تمرد هذا الشاب ضدها؟.. تقول المجلة في تحقيقها: إن ووكر لم يكن لديه شغفا بالفتيات أو الحفلات أو أحوال الدنيا، فقد كان فقط مشغوفا بالدراسة، وحفظ القرآن كله.. ولا أدري ما وجه العجب.. وإن كانت الصور التي تنقلها لنا الشاشات من كابول وقندهار يمكن أن تفسر ذلك، فقصارى ما أسفرت عنه الحملة من وجهة نظر اللقطات اللاهثة بين القصف والجوع والدمار، هو تلك الصور التي تنقل بفرح وفخر نساء أفغانستان وهن يخلعن الحجاب، وربما زادت الفرحة والفخر بمقدار زيادة العري، فالنساء العاريات هن مظهر الحضارة، وعلامة التقدم، وحقيقة الحرية.. الحرية العارية!! إذا فهذا الشاب المسكين على حد قول بوش، تمرد ضد ذلك النوع من الحرية، وحاول التوصل الى حرية من نوع آخر، حرية تخلص روحه من اغلالها ورواسبها فتنطلق الى رحاب أوسع، وأيا كان رآي الآخرين في هذا الاختيار، فإن ذلك يتفق تماما مع ما تبشر به الحضارة الأمريكية وهي تلقن العالم الدروس والعبر، فهي تقرع الأجراس منددة بالقيود المفروضة على الحرية، أي حرية، فالانسان المفرد حر ولا ينبغي لأحد التدخل في حريته الشخصية، ثم أنه حر في التعبير عن هذه الحرية كما يشاء، فلماذا يقال عنه اليوم أنه تمرد ضد الحرية؟ ومن الملاحظ أن أغلب الأمريكيين من مسئولين وغير مسئولين واعلاميين وغير اعلاميين كانوا يتحدثون عنه باسمه الذي اختاره له أبواه أي جون ووكر.. ورفضوا اسمه الذي اختاره هو لنفسه: سليمان، ولم يرد اسمه وفعله مقرونا بالصفة الكريهة الارهاب، فهو تارة خائن، وتارة أخرى غرير تم تضليله. أما الآخرون الذين كانوا معه في الأسر والمأساة، وربما كان أغلبهم أصغر منه سنا وأقل منه اختيارا، فإنهم بغير تفكير مجرد ارهابيين سفاحين يجب ابادتهم جميعا كالصراصير، هؤلاء الآخرون هم الجنس الآخر، ذلك الجنس المتدني الذي يضلل الناس ويرهبهم. لقد كشف هذا الشاب الأمريكي الغطاء عن حقيقة ادعاءات كثيرة وجع بها الغرب رؤوسنا نحن أهل الجنوب حول ما يسمى الحرية وحقوق الانسان، فمن الواضح أن الحرية التي يعنيها الغرب ليست حريتنا وإنما حريتهم التي تتيح لهم أن يفعلوا بنا الأفاعيل، وليس لنا حتى مجرد الحق في الاعتراض على تلك الحرية، كما أن حقوق الانسان ليست حقوق انساننا، وإنما حقوقهم في أن ينزعوا عنا انسانيتنا وكرامتنا وثقافتنا وعقولنا ثم يتباكون على انتهاك حقوق الانسان. إن سليمان - ووكر سابقا - أصبح مشكلة محرجة للادارة الأمريكية، فالولد المضلل لن يمكن محاكمته أمام المحاكم العسكرية طبقا للقانون الذي صدر مؤخرا في أمريكا والذي يخضع غير الأمريكيين فقط للمحاكم العسكرية، لأن الأمريكي له دستور يحميه، أما غير الأمريكي فهو مجرد جنس آخر، أدنى، كما أن أسرى أفغانستان من عرب وعجم يمكن شحنهم في ثلاجة، أما ذلك الأمريكي الضال، فيجلس حاليا في وحدة في معسكر طويل عريض، يأكل فيه ثلاث وجبات، ويتحمم ثلاث مرات، ويرسل لأمه رسائل عبر البريد الالكتروني، فهو ليس إرهابيا حيث أن هذه الصفة لا يمكن أن تدخل في الجينات الوراثية لأي أمريكي حتى ولو كان تاريخ أمريكا كله منذ أيام الهنود الحمر هو قتل وإبادة وتشريد. ولا أقول أن ذلك تمييزا ممقوتا أو تفرقة عنصرية، فلابد أن كل دولة تحاول حماية مواطنيها، ولابد أن هناك من يحسد ذلك الشاب المسكين على أمريكيتيه التي أتاحت له أن يضرب أمريكا فلا ترد عليه الصاع صاعين وثلاثة، ولكن هناك شباب آخر، وأمريكيين أيضا تم احتجازهم بغير مقتضى قانوني في سجون الولايات المتحدة الأمريكية، ويقولون عنهم في نشرات الأخبار أنهم أمريكيون من أصول عربية، رغم أن أغلب هؤلاء مواطنون غير إرهابيين وغير مضللين، ولكن لون بشرتهم، وأصولهم العرقية ليست أنجلو ساكسونية، وبالتالي فهم لا يزالون في نظر الفقه الأمريكي الحديث جنسا آخر، يجري عليهم ما يجري على أبناء جلدتهم من حرية أمريكا وحقوقها للانسان. ويتردد أن الأوامر العسكرية كانت واضحة بأنه ليست لديهم حاجة للأسرى، ومن الأفضل إبادتهم، فكلما قل عدد ذلك الجنس الآخر كلما كان ذلك أفضل، ولذلك ايضا فلا بأس أن يساهم شارون في هذه المهمة المقدسة بأن يقتل ويذبح منذ صبرا وشاتيلا وحتى الآن، بينما واشنطن تطلب وتلح وتصر على أن يبذل ياسر عرفات مجهودا أكبر في تلك المهمة النبيلة. ويقول البعض بخبث ولؤم أن الادارة الأمريكية تضرب مثلا لادارات العالم الأخرى من خلال معاملتها للمواطن الأمريكي الضال ووكر، حيث أنه برئ الى أن تثبت ادانته، كما أنه يمكن أن يحصل على البراءة في المحاكم الأمريكية اذا عقد صفقة مع جهات التحقيق أتاحت إدانة عدد أكبر من الجنس الآخر، وربما كان ذلك هو الذي دفع الحكومة الفرنسية أن تعلن أنها ستقف الى جوار مواطن فرنسي - من أصل عربي - قبضت عليه السلطات الأمريكية بوصفه ارهابيا، ولكن الادارة الأمريكية لا ترى الجزء الفرنسي فيه، ودائما تلحق اسمه بوصفه من أصل عربي.. إذن فهناك أصول متهمة بطبيعتها، وأصول بريئة بطبيعتها، ولابد أن يفهم الجميع القاعدة الجديدة في زمن العولمة السعيدة: الأصل في العربي الادانة، وعليه أن يثبت العكس، وهو مستحيل، ولهذا أيضا فإن ما طنطن به الغرب وصدع به رؤوسنا حول المجتمع المدني والجمعيات الطوعية الخيرية، قد تهاوى كله عند الاختبار، وها هي قروش وملاليم الجمعيات الخيرية الاسلامية يتم تجميدها ومصادرتها، في حين تتمرغ جمعيات الكلاب والشواذ في تبر الحرية، بل إننا لا يمكن أن ننسى أن هناك جمعيات كانت - وما زالت - ترفع شعار إعطني دولارا أقتل لك عربيا، دون أن يقترب منها أحد. كل ذلك يؤكد لقادة الرأي في العالم الثالث أن ما تعلموه في جامعات العالم الأول لم يكن سوى علم يخص جنسا آخر غيرهم، ولعلهم يدركون الآن أن الوقت قد آن كي يتعلموا علما آخر يخص جنسهم، وأن يتوقفوا عن التشدق انبهارا بتلك الحضارة التي كشفت عن وجهها، فلابد أن يكون لذلك الجنس الآخر موقفا آخر، هو بالضرورة مختلف، وهو بشرعية البقاء مقاوم، وهو بحتمية التاريخ في صراع يجب حسمه، ذلك الجنس الآخر باختصار إما يكون وإما لا يكون. وأرجو في النهاية الا يظن سليمان الفارس أن أحدا يحسده على نجاته، أو أن أحدا يعترض على موقف الادارة الأمريكية النبيل من أحد مواطنيها، كما نرجو ألا تغضب جمعيات الكلاب أو الشواذ، أو حتى تلك الجمعية التي ترفع شعار اعطني دولارا أقتل لك عربيا، فلقد أصبح الموت مجانا، وعلى هذه الجمعية أن ترفع شعارا آخر.. ـ كاتب مصري