لم أكن احتاج إلى مشاهدة الشريط الذي بثته وكالات الانباء في نهاية الأسبوع الماضي لمجموعة من الأشخاص يتوسطهم ابن لادن وهم يتحدثون عما وقع في الحادي عشر من سبتمبر، كي أعرف ان هذه الجماعة هي التي كانت تقف خلف ما حدث، ولكن أحداث الشريط بذاتها تثير عند المتابع مجموعة من الأسئلة اكثر مما تقدم من اجابات. فلقد انبرى العديد من المعلقين الذين تدفقوا على شاشات التلفزة العربية وكثير منهم يشكك بلغة الخبير في مصداقية الشريط جملة وتفصيلا، بل ذهب بعضهم للحدث عن ان هذا الشريط مركب من جزئيات وانه من انتاج السلطات السرية الأمريكية، وبعضهم ذهب إلى القول ان كان هذا الشريط هو الادانة لابن لادن ومجموعته، فلماذا شنت الادارة الأمريكية الحرب قبل ان تتيح مشاهدته للرأي العام العالمي؟ مثل هذه التصورات والأسئلة التي طرحت تدل على تفكير سقيم لدى هؤلاء وهم بالطبع من حقهم ان يفكروا كما شاءوا، ولكن ليس من حقهم الغاء عقول الآخرين في الوقت نفسه! فقد وجد الشريط بعد ان أخلت طالبان بعض المدن الأفغانية وتقلصت سلطتها، وبسبب هذا التراجع الحثيث ترك البعض ما كان بحوزتهم من وثائق ومنها هذا الشريط، وربما كانت هناك وثائق أخرى لم يعرف عنها العالم بعد، ولم تكن الحرب والانسحاب لما كان بالمستطاع الحصول على مثل هذا الشريط أو غيره من الشواهد، أما الأسباب الأخرى لشن الحرب ضد القاعدة وطالبان فقد كانت متوافرة وقد اقتنع بها العالم. وسيظل البعض يشكك في أمر من قام بالعملية غير مصدق ان مرتكبيها هم ابن لادن وجماعة «القاعدة» لأن هذا البعض من المشككين لديه قناعات مسبقة في هذا الأمر، ويتبنى رؤى قد حجبت عنه القدرة على تمحيص الحقائق واصدار الحكم الموضوعي عليها، ولا شك ان فرح وسرور ابن لادن الذي ظهر في هذا الشريط سوف يفسر على انه أمر طبيعي، ولا اعتقد ان بث الشريط هو من أجل اقناع هذه الفئة من الناس. أحلام المنام والتنفيذ المحكم لقد لفت نظري في الشريط وفي الكلام الذي نشر نقلاً منه في الصحف كثرة الحديث عن الأحلام، وقد كانت هناك اشارات إلى ثلاثة أحلام على التوالي شهد أصحابها من أتباع ابن لادن ومريديه وجميعهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الكارثة التي عقدوا النية على ارتكابها كما يقول الشريط، من بينها حلم لأحد الحراس عن طائرة تضرب مبنى عالياً في أمريكا، وعندما أفضى به صاحبه إلى ابن لادن «حسب النص المنشور من الشريط» نهره الأخير بألا يتحدث فيه لأحد، لأن «الناس سيضيقون به» أما الحالم الآخر فقد حمل الطائرة على ظهره في الحلم! ان كثرة ترديد الأحلام في هذا الشريط وتوقعات الحالمين بما حدث تدل على تناقض واضح في عقلية هؤلاء الاتباع، والتنفيذ المحكم الذي تم في الهجوم على المبنيين التوأمين في نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن، فتفسير الأحلام بهذه الصورة له موقع في تاريخ البشرية ينتمي إلى الرجم بالغيب والاستناد إلى الخرافة، بينما يحتل التنفيذ المحكم للعملية موقعاً مناقضاً هو المعرفة الواسعة بالواقع والتفاعل الدقيق معه. هذا التناقض يثير سؤالاً عن دور ابن لادن والمجموعة الملتصقة به حول التفكير والتخطيط لمثل هذا الحدث، والمفارقة ان ابن لادن نفسه يعترف بأن المجموعة المنفذة لهم تكن تعرف بعضها بعضاً، وقد كانوا يعرفون فقط انهم في مهمة «استشهادية انتحارية» وانهم عرفوا بالمهمة قبيل صعودهم الطائرات المنكوبة بوقت قصير مما يعني معرفة ابن لادن المسبقة بالخطة وطريقة تنفيذها، ومن جهة أخرى ينهر أحد مريديه حتى لا يجهر بحلمه خوفاً من افتضاح الخطة! المعقول من كل هذا ان الجناح الذي أشرف ونفذ الخطة كان جناحاً يعرف التعامل مع العالم الحديث من دون أحلام، ويستخدم منتجات الحداثة بأشد ما يكون من الدقة، ويتصرف بحذر وسرية ليس لهما علاقة بالبسطاء من أصحاب الأحلام! وربما كان ابن لادن متفقاً معهم في الهدف والرغبة وراغباً وقادراً على التمويل، ولكن من قاموا بالتخطيط ورسم المسار هم طائفة لها معرفة تامة بالأساليب الحديثة، وان تكن بعيدة عن قراءة الوضع السياسي العالمي قراءة صحيحة. هذه المشاهد المتناقضة تثير أسئلة فكثير ممن حول ابن لادن لهم علاقة بالتخيل والحلم والايمان بالمعجزات التي تتراءى لهم عن طريق الاحلام، كما ان ابن لادن نفسه (كما جاء في النص) يختلط عليه اقبال الغربيين على قراءة كتب عن الاسلام بعد الحادث والدخول في الاسلام، وهما بابان مختلفان، وقد كان خلطاً واضحاً يشي بأحد شيئين، إما رغبة عارمة ولكن غير حقيقية في تصديق ان ما قامت به مجموعة المنفذين قد خدم الاسلام وأما شيء من انعدام القدرة على التفريق بين القراءة عن الاسلام لمعرفة الأسباب التي قام بها بعض منتسبيه بهذه الكارثة الموغلة في التخريب والقتل وبين الدخول في الاسلام عن اقتناع به كدين يدعو إلى التسامح والعدالة. من المستفيد؟ ونتيجة لضبابية في الفهم، وقصور في التوصيل وخلط في الوسائل وعشوائية في اختيار الأولويات فإن النتائج النهائية لما حدث كلها سلبية وخاصة بالنسبة للعرب، ولأن عدداً لا بأس به من العرب قد وجدوا فيما حدث في الحادي عشر من سبتمبر شيئاً من التشفي وفي بلدان عربية عديدة قدمت لنا وسائل الاعلام بعضاً من هذا التصور الذي يبدي فيه كثيرون موافقتهم على ما وقع من هجوم بعضهم نسب ذلك لما حدث ويحدث في فلسطين، وبعضهم بسبب ما يعتقد انه اجحاف لايجد له متنفساً وآخرون بسبب تثقيف طويل المدى وخاطئ أدى إلى وعي كاذب بالخلاص عن طريق أفكار وممارسات تنتمي إلى القرون الوسطى! ونحن اليوم نشاهد، بسبب مجموعة من التصرفات العشوائية التي تشابه ما فعله ابن لادن وجماعته على المستويين الاقليمي والعالمي نشاهد تراجعاً خطيراً في الموضوع الفلسطيني يكاد يعيدنا إلى نقطة الصفر. كما تبرز بقوة من جانب آخر العديد من الأسئلة الاكاديمية والاعلامية التي تطرح في مناطق كثيرة من العالم حول «عقلية» المسلم العربي وقربها من «العشوائية في التفكير» وحبها «للعنف المفرط» وهي أسئلة تعكس جسامة الخسارة التي منيت بها الأمة العربية من جراء الكارثة. أما أحد الخاسرين الرئيسيين فهو شعب أفغانستان الذي يقدم كل التضحيات لاحتضان أفراد من القاعدة وعناصرها من الشتات، فإذا بمدنه تدك وتسوى بالأرض وهو ما سيكلف الشعب الأفغاني عشرات السنين لاعادة اعمار أراضيه التي أصبحت يعشش فيها الخراب! أما الخاسر الأكبر فهو المواطن العربي العادي الذي أصبح اليوم غير قادر على مواصلة مطالب عقلانية وانسانية مطلوب منه اداؤها ليتمكن من العيش الآمن في عصره بعد ان أصبح العربي لا يلقى أي ترحيب في الدول الغربية التي باتت تنظر إلى العربي المسلم بوصفه «ارهابيا أولا ومطارداً ثانياً، ومنبوذاً في كل الأحوال». ولأن الاعمال، وخاصة السياسية، تقاس بنتائجها، ولان العقل العشوائي ترك بين ظهرانينا يتغذى على نتف مبتورة من التراث، زينت لشبابنا نظريات تبشرهم بالمن والسلوى من دون ربط موضوعي لافكارهم بالعصر الحديث او قراءة تواكب ما يحدث في العالم، فإن النتيجة المنطقية لكل ذلك هي ما نشاهده من خسارة، وفتنة لا تصيب الذين فجروها فقط ولا يقتصر اذاها عليهم، بل هي تصيب الاكثرية من الابرياء.. وقد سقط ابرياء كثيرون ـ بالفعل ـ سواء بين انقاض البرجين التوأمين في نيويورك وفي الجبال الوعرة في افغانستان.. وهناك ابرياء آخرون كثيرون ينعتون بـ «العرب» سوف يدفعون وحدهم النسبة الاكبر من فاتورة ما قام به ابن لادن وجماعته! ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ـ الكويت