دعا الرئيس عرفات في خطابه العام قبل يومين الى الوقف الشامل والفوري لجميع الاعمال المسلحة خاصة العمليات الفدائية الاستشهادية. والسؤال الذي يطرح تلقائيا هو: هل يعني ذلك اعلان نهاية المقاومة الفلسطينية المسلحة كنهج نضالي؟ من هذا السؤال المحور ينبثق شلال اسئلة ذات صلة: هل عقد الرئيس الفلسطيني عزمه اخيرا على اعلان حرب ضد فصائل المقاومة المسلحة وخاصة الفصيلين الاسلاميين التابعين لمنظمتي «حماس» و«الجهاد»؟ وهل يمكن ان يعتبر خطاب عرفات نقطة تحول تؤشر الى عودة الرئيس الفلسطيني الى اسلوب اوسلو.. بمعنى المراهنة على التفاوض السري مع الاسرائيليين الذي افرز في الماضي القريب اتفاق اوسلو؟ وهل صار الصدام بين السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة حتميا بما قد يفضي الى حرب اهلية؟ اجمالا، ما نستطيع ان نقوله بشأن خطاب عرفات، ولما يزل الخطاب «طازجا» ان الخطاب لم يأت في الحقيقة بجديد من حيث العقيدة النضالية الاستراتيجية للزعيم الفلسطيني التي ترمز اليها اوسلو.. عقيدة المساومات التفاوضية السلمية التي تسوغ احيانا وفي منعطفات مفصلية ضرورة التغاضي عن الشارع. ومع ذلك فإن خطاب عرفات يعتبر شيئا جديدا من حيث انه يضع النقاط على الحروف خارجا عن التعميم والابهام والتردد الى الحسم التفصيلي والصراحة القاطعة. لقد ظل عرفات على الدوام يحتفظ بمشاعر ارتياب تجاه حماس منذ خروجها الى حيز الوجود النضالي عند اواخر عقد الثمانينيات إبان ظروف الانتفاضة الفلسطينية الاولى. وعقب اوسلو امتد هذا الارتياب ليشمل المنظمتين العلمانيتين «الشعبية» و«الديمقراطية» منذ ان اتخذتا موقفا معارضاً ضد اتفاق اوسلو وترتيباته. ولاشك ان ارتياب عرفات تضاعف اضعافا عندما اسفر اندلاع الانتفاضة الراهنة عن تحالف بين منظمات المعارضة بشقيها الاسلامي والعلماني خاصة بعد انضمام تنظيم «فتح» الى هذا التحالف. مثل انتفاضة الثمانينيات التي فاجأت الطاقم القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس فإن الانتفاضة الراهنة فاجأت ايضا الطاقم القيادي للسلطة الوطنية الفلسطينية عندما اندلعت قبل 15 شهراً. وهناك تحفظات للقيادة الفلسطينية تجاه كل من الانتفاضتين تحفظ ذاتي وتحفظ موضوعي، على الصعيد الذاتي تتخوف القيادة من ان القيادات التي يفرزها الشارع قد تسلبها وضعها القيادي التقليدي، وعلى الصعيد الموضوعي تخشى القيادة التقليدية من انفلات الشارع بما يؤدي الى نسف اي مكاسب يمكن ان تتحقق بالاسلوب الدبلوماسي السلمي. فكيف اذن تصرف عرفات تجاه منظمات المعارضة وفصائلها المسلحة في اعقاب اوسلو وقيام السلطة الفلسطينية خاصة بعد ان التزمت السلطة رسميا تجاه اسرائيل بنبذ ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية الذي ينص على الكفاح المسلح كأسلوب نضالي اساسي؟ رويداً اخذت اجهزة الامن التابعة للسلطة تلاحق عناصر هذه المنظمات وبحلول عام 1996 بلغ القمع السلطوي ذروته بعد ان تواترت العمليات الاستشهادية في العمق الاسرائيلي.. فقد اكتظت السجون بمئات المعتقلين كانوا يتعرضون للتعذيب. وبتعاون كامل مع الاجهزة الامنية الاسرائيلية طوردت الكوادر المعارضة الى ان اصيب نشاط المنظمات بشكل كامل. كان هذا هو الوضع قبل خمس سنوات فهل يتكرر المشهد الآن بعد ان اعلن عرفات الوقف الشامل والكامل للاعمال المسلحة «خاصة العمليات الانتحارية» على حد قوله؟