هذه حكاية حدثت منذ 100 سنة بالتمام والكمال بالتحديد في عام 1901 حين كانت بطلتها في الحادية عشرة من عمرها وكانت قرة عين والدها وبهجة روحه رغم انحدار الوالد المحترم من الاصل الالماني ـ الجرماني المعروف تقليدياً بروحه العسكرية البروسية وتمسكه بالتقاليد الصارمة والانضباط الشديد الى حد الغلو في بعض الأحيان. لا أحد يذكر الآن اسم هذا الأب الثري الألماني الأمثل.. وفي كل حال فهو السيد «اميل جلينك» الذي ولد في عائلة ميسورة الحال وأراد والده ان يتيح له سبل التفرج على الدنيا واختبار احوال البلاد ومعايشة العباد فأرسله الأب ليسعى على رزق وفير واستطاع ان يكون خميرة الثروة التي اتاحت له الزواج من ابنة عائلة المانية محترمة وبعدها تحول الأب من تاجر طباق ـ دخاخني كما يقول التعبير القديم الى مشتغل بالأعمال المصرفية بانكير كما تقول تعابير الفرنجة. ويبدو ان السيد جلينك كان يتفاءل بالعيش في بلاد العرب ولهذا حمل عائلته الجديدة وانتقل بها الى الجزائر واذ اكتملت لديه أسباب الثراء تحول الى الاقامة في فيينا بحثاً عن المكانة والشهرة في مجتمع فيينا الامبراطوري الباذخ في اواخر القرن التاسع عشر هنالك تحول صاحبنا الى واحد من أعيان النمسا.. له صورة معلقة في المتاحف وقد ارتدى بدلة التشريفة وزين صدره الجرماني العريض بأكثر من وسام وميدالية ووضع على عينيه نظارة الموتوكل ذات السلسلة الذهبية آية على ان المذكور واحد من اكبر وجهاء الزمان هذا بالاضافة الى شارب معتبر فخيم مبروم ومعالج بمادة الكوزماتيك التي ترشحه ـ الشارب ـ لأن يقف على طرفيه المدببين سرب بأكمله من جوارح الصقور ثم نظرة تطل من الصورة العتيقة تشي بمزيج من الاستعلاء والثقة والجهامة على عادة البوزات التي كان يتخذها ابناء تلك الأجيال السابقة لزوم الوقوف امام عدسات المصورين البدائية في ذلك الزمان ويبدو ان كل هذه الثقة المغرورة كانت تتبدد بل وتنصهر او تذوب امام دفق المحبة والحنان الذي كان يحفل به فؤاد الأب تجاه وحيدته الجميلة التي جاء مولدها في عام 1890 فملأت حياة ابيها فرحاً ونوراً وحبورا.. كان مجتمع اوروبا الارستقراطي في السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر وارهاصات القرن العشرين شغوفاً بموضات وبدع ومستحدثات لا أول لها ولا آخر كان الناس يتحادثون في صالونات الدعة والأبهة بين فيينا الى برلين الى لندن وباريس عن مخترعات جاءت وقتها مثل الرؤى والاحلام آلة لتسجيل وسماع الاصوات الفوتوغراف وجهاز لنقل الرسائل على متن الاثير اسمها الوايرلس ـ اللاسلكي ـ بل ان المخترع الامريكي الاشهر توماس اديسون وقد اهدى الى عالمهم بركة الكهرباء بدأ يتحدث عن جهاز ساحر جديد ينقل الاصوات والأغاني والانغام والاخبار اسمه الراديو. وقد وصف الجهاز بعد ذلك بنحو ثلاثة عقود شاعر عربي من مصر اسمه محمود غنيم في قصيدة منبهرة استهلها بقوله: شاد ترنّم، لا طير ولا بشر يا صاحب اللحن: أين العود والوتر؟ فقد سمعت لساناً قُد من خشبٍ كأنه جاء من فكي منحدِرُ لكن درة هذه الاختراعات المستحدثة كان اسمها السيارة.. الاوتوموبيل تمتطيها فتغنيك عن العربات المذهبة والجياد المطهمة وسائر وسائل النقل والجر التي تنتمي الى الزمان العتيق. يومها لم يكذب السيد جلينك خبراً.. بل سارع على متن القطار لزيارة «مصانع» ديملر موتورين في المانيا لاقتناء أحدث ما انتجته في هذا المضمار عرضوا عليه سيارة جديدة فارهة لكنها لم تعجبه.. لماذا؟ لأنها كانت بطيئة السرعة وهو رياضي يشغف بالسرعة وسباق العربات.. انه يريد سيارة اكثر فخامة ورشاقة وسرعة.. كانت صناعة السيارات تحبو ولمّا تفارق مهد الولادة بعد.. قال له الألمان ان طلباته ليست متاحة ولا جاهزة اجابهم في ثقة مليونير وبانكير ايضاً: اذن فاصنعوها حسب طلباتي.. وأنا على استعداد ان اشتري 36 سيارة من الطراز الجديد المأمول. ولم يكن الهر «جلينك» مجرد هاوٍ شغوف ولا كان الرجل يهزل او يريد ان يشبع رغبة مستبدة في الاقتناء كان قد خطط مسبقاً لدخول سباقات مربحة للسيارات الجديدة في عالم ذلك الزمان وكان يعرف مقدماً ان الشهرة التي ستحوزها سيارات السباق ستتيح له ان يضيف الى ثروته الطائلة عدة أصفار ـ على اليمين طبعاً ـ من عائد بيع تلك السيارات وقبل ان يفرك الأخوة ديملر أياديهم فرحاً بالصفقة المرتقبة اضاف السيد اميل جلينك شرطاً جديداً وطريفاً الى بنود الاتفاق وهذا الشرط كما يلي: .. ان تحمل السيارة المنتظرة اسماً خاصاً يميزها عن سائر قريناتها من ماركات الاوتوموبيلات. سألوه في المصنع عن الاسم المطلوب.. هل هو ماركة صناعية او علامة تجارية او اسم لأحد المنتوجات او لواحد من معالم الجغرافيا او أحداث التاريخ أو حتى اسم الامبراطور فرانسوا جوزيف او الارشيدوق رودلف ولي العهد.. او ... او.. قاطعهم السيد جلينك قائلاً: ـ اريد للسيارة ان تحمل اسم ابنتي الجميلة هدية مني في عيد ميلادها الحادي عشر.. ـ وما اسم المحروسة؟ ـ الآنسة المهذبة.. مرسيدس جلينك وقتها جاءت التسمية غريبة بالنسبة لعلامة تجارية فارقة في ميدان صناعة السيارات ولكن شركة ديملر ـ مورتون صدعت للأمر بل وبادرت بعد سنة واحدة من الاتفاق (عام 1902) الى تسجيله في الشهر العقاري الألماني بوصفه علامة تجارية مميزة لما تنتجه من بعد من أعداد السيارات وزيادة في التميز عن سائر المنافسين في السوق كلفت الشركة من صمم لها النجمة الثلاثية المدببة تضعها على مقدمة سياراتها وجاء تركيب اولى هذه الشعارات المعدنية في عام 1909. وفازت الماركة الجديدة في سباق مدينة نيس بالريفييرا الفرنسية لمسافة 244 ميلا واتسعت شهرتها لدرجة اقتضت مزيداً من التوسع في الادارة والاستثمار والانتاج وحين جاء عام 1926 حدث انتاج شركتين كان يملك الاولى «جوتليب ديملر» وهو رائد في تلك الصناعة وكان يملك الثانية رائد آخر هو «كارل بنز». في تلك السنة نفسها كانت السيدة مرسيدس قد أوفت على السادسة والثلاثين وعلى عكس المتوقع لم تكن حالتها تسر عدواً ولا حبيباً للأسف اربدت سحنة الدهر في وجهها منذ ايام الحرب العالمية الاولى حيث كان أبوها في السلك الدبلوماسي واتهموه بالجاسوسية فهرب الى نيس في فرنسا فما كان من حكومتها الا ان صادرت كل ممتلكاته ومنها سياراته الاثيرة التي حدثناك عنها ومات الرجل محسوراً وشبه معدم في سويسرا عام 1918 ليترك ابنته المسكينة ـ مرسيدس حتى لا ننسى ـ تغالب أنواء حياة زوجية مضطربة (فشلت في زواجها مرتين) وتعيش بين الكفاف والمرض مما اضطرها كما يقول المؤرخون ان تستجدي احياناً عطايا المحسنين وفيما ظلت السيارات التي تحمل اسمها تركض لاهثة في ارجاء المعمورة.. ماتت مرسيدس بائسة وحيدة في شقة صغيرة في العاصمة النمساوية فيينا وكان ذلك في فبراير عام 1929. وفي صيف عام 2001 الحالي شاهد المجتمعون سيدة في اقصى خريف العمر جاءت او جاءوا بها الى مهرجان للسيارات في مدينة نيس الفرنسية وقد سلطت عليها اضواء كاشفة عديدة وكأن القوم يعدونها ايقونة من ذكريات التاريخ لماذا؟ لأن اسمها هو «مايا جلينك» وهي الاخت غير الشقيقة للمسكينة مرسيدس التي ادرنا عنها سطور هذا الحديث.. كانت مايا قد وجدت من يطلق اسمها على ماركة سيارة فائقة السرعة ولكن الاسماء والماركات حظوظ فقد وئدت الماركة في المهد ولم يقيض لها الذيوع والانتشار. ماتت السيارة مايا فيما قدر للأخت مايا شخصياً ان تعيش الى ان شهدت سباق نيس في منتصف عامنا الحالي وكان عمرها ـ مايا ـ 93 عاماً