لا احد يشك في ان اقليم كوسوفو سيحقق الاستقلال الكامل عن صربيا ويصبح دولة مكتملة السيادة بعد سنوات عدة، شأنه في ذلك شأن الاجزاء الاخرى التي انفصلت عن يوغسلافيا السابقة، كمقدونيا والبوسنة وكرواتيا والجبل الاسود، حيث يستعد الاخير لقطع آخر روابطه الدستورية مع صربيا واعلان استقلاله الكامل. ويرى المحللون ان الحكم الذاتي الموسع الذي يتمتع به الاقليم حاليا، استناداً الى الاطار الدستوري الذي تم وضعه باشراف الادارة المدنية الدولية التابعة للامم المتحدة، هو مرحلة مؤقتة لابد من المرور فيها، وصولاً الى الاستقلال الكامل، فالقوى الدولية التي كان لها الفضل الاكبر ـ لاسيما الحملة العسكرية الاطلسية على يوغسلافيا عام 1999 ـ في احداث هذا التطور الرئيسي، ترفض اعتماد سياسة «حرق المراحل» التي تسبب المزيد من الحروب والمعاناة لطرفي الصراع: الصرب والالبان، مفضلة الحلول المرحلية التي تحقق انفصالاً تدريجيا هادئا بدلا من اللجوء الى «عمليات جراحية» اخرى مؤلمة، ولعل البرلمان الذي جرى انتخابه في السابع عشر من نوفمبر الماضي، بمشاركة ألبانية ـ حربية كاملة، كان التجسيد العملي الابرز لهذه السياسة، اذ انه يحقق لكل من الطرفين بعض ما يريده ويطالب به: الاستقلال النسبي عن صربيا بالنسبة للالبان، والبقاء ضمن اطار جمهورية يوغسلافيا الاتحادية بالنسبة للصرب، بينما تقوم الادارة المدنية الدولية بالدور الحاسم خصوصا دور صمام الامان، سواء فيما يتعلق بالاجراءات الادارية اللاحقة التي ستنفذها الحكومة الجديدة، او عند وقوع اية خلافات او تناقضات جوهرية بين الطرفين في المستقبل. وعلى الرغم من الاجواء الهادئة التي سادت اول تجربة انتخابية في كوسوفو، بعد التوافق على صيغة الحكم الجديدة في الاقليم، إلا ان هشاشة الوضع وتناقض اهداف القوى التي تشكل منهم البرلمان الجديد، حالت دون انتخاب رئيس للاقليم يحظى بتأييد الاغلبية المطلوبة، في حين كان من المتفق عليه ان ابراهيم روجوفا، الشخصية الالبانية المعتدلة ورئيس اكبر كتلة برلمانية «الرابطة الديمقراطية لكوسوفو التي تضم 49 نائبا» هو الرئيس المقبل بدون منازع. فالحزبان الالبانيان الرئيسيان: «الحزب الديمقراطي» بزعامة هاشم تاتشي 26 مقعداً وحزب «التحالف من اجل مستقبل كوسوفو» بزعامة راموش خير الدين 8 مقاعد، رفضا تأييد روجوفا وقاطعا جلسة الاقتراع المخصصة لهذه الغاية، احتجاجاً على تمسك كتلته بالاحتفاظ بالرئاسات الثلاث: رئاسة الاقليم ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان «جرى انتخاب عضو الرابطة الديمقراطية نينجات داثيا رئيساً للبرلمان في اول جلسة رسمية عقدها في العاشر من ديسمبر الجاري. كذلك اقنعت الكتلة النيابية العربية التحالف من أجل العودة الى الديار التي تضم 22 نائبا، عن تأييد روجوفا واقترع اعضاؤها بأوراق بيضاء، بعدما دعا في اول تصريح له في اعقاب الانتخابات النيابية الى تحقيق استقلال كوسوفو، اما نواب الاحزاب الالبانية الصغيرة وتلك التي تمثل الاقليات العرقية «البوشناق، الاتراك، الغجر» فقد آثروا الوقوف على الحياد. ويكشف فشل هذه التجربة وهي الاولى والاكثر اهمية على صعيد تحقيق الاستقرار في الاقليم من خلال استكمال البناء الدستوري في شكله الحالي، عن صعوبة مهمة الحكومة المقبلة وكثرة العقبات التي ستواجهها، فزعيما الحزبين الالبانيين الرئيسيين هاشم تاتشي وراموش خير الدين كانا ابرز قادة جيش تحرير كوسوفو الذي خاض مواجهات عسكرية واسعة ضد القوات الصربية تحت شعار «الاستقلال لكوسوفو» وبسبب اصرارهما على اعتماد الخيار العسكري لتحقيق هدف الاستقلال كانا على تناقض مستمر مع ابراهيم روجوفا الذي يدعو الى تقديم الحلول السياسية على الحلول العسكرية ولكن مع الاصرار على اقامة دولة مستقلة في الاقليم، في مرحلة لاحقة، ويرى المحللون ان اصرار روجوفا على الاحتفاظ بالرئاسات الثلاث ناشيء ليس فقط عن تمتعه بالاكثرية النيابية ـ وان تكن هذه الاكثرية لا تتيح له الفوز بالرئاسة اعتماداً على حزبه فحسب، اذ يحتاج الى 81 صوتاً من اصل 120 نائباً يتشكل منهم البرلمان المنتخب ـ وانما عن رغبته في تجنب وقوع تناقضات رئيسية داخل الحكم في الوقت الذي تحتاج عملية البناء المطلوبة الى وحدة الموقف الرسمي، واسقاط كل ما من شأنه ان يؤثر على التفاهم المبدئي مع الشريك الصربي. وفيما يتعلق بالجانب الصربي لا يتوقع المحللون ان يذهب في اعتراضه على انتخاب روجوفا ابعد من تسجيل موقف مبدئي حول مستقبل الاقليم، اولا لانه يدرك استحالة التوافق على شخصية اخرى اكثر اعتدالاً من روجوفا، او حتى توازيه في اعتداله وتفهمه لطبيعة الوضع في كوسوفو ومستلزماته. وثانيا، لان موافقة الصرب على المشاركة في الانتخابات النيابية الاخيرة تمت بعد حصولهم على تعهد من الادارة المدنية الدولية المشرفة بالحفاظ على الصيغة الحالية وهي الحكم الذاتي الموسع للاقليم، وعدم السماح للاكثرية الالبانية باعلان الاستقلال عن صربيا، وكان اتفاق رسمي في هذا الشأن قد وقع بين الادارة الدولية وحكومة يوغسلافيا مطلع نوفمبر الماضي، قرر الصرب على اثره المشاركة في الانتخابات، وقد وصف الزعيم الديني والسياسي لصرب كوسوفو المطران اريثميا دادو سافليش هذا الاتفاق بأنه يوفر للصرب تمثيلاً مناسباً في كل المؤسسات ويعزز دورهم في اتخاذ القرارات التي تنظم أمور الاقليم الراهمة والمستقبلية. وكان اتفاق التعاون المذكور الذي وقعه رئيس الادارة المدنية الدولية هانز هاكيروب مع حكومة بلجراد، اما استياء زعماء الاحزاب الالبانية فأعلنوا رفضهم له، ولكن من دون ارفاق هذا الرفض بأية خطوات عملية سلبية. ووصف راموش خير الدين قبول هاكيروب بادراج التسمية الصربية للاقليم «كوسوفو وميتوخيا» التي لا يمكن ان يقبلها الالبان ابدا، بأنها تعني الرضوخ للموقف الصربي. ويطالب الالبان بأن تقوم علاقة كوسوفو مع يوغسلافيا على اساس «دولتين متجاورتين تتمتعان بالاستقلال والسيادة». هامش ضيق مع ذلك، فقد امكن تجاوز هذه المشكلة، نظراً لاصرار الادارة الدولية على موقفها وتؤكد مصادر مختلفة ان صيغة الحكم الذاتي الموسع تحظى بدعم كامل من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وتخشى هذه الاطراف من ان تؤدي اية خطوة متسرعة لاعلان استقلال كوسوفو من طرف واحد الى تجديد النزاع المسلح بين المجموعات العرقية، في الوقت الذي تسعى الاطراف الدولية المذكورة الى استكمال معالجة المشاكل القائمة في مقدونيا، الجارة الاقرب لكوسوفو والتي تقوم روابط قوية بين الالبان في كلا الجزئين، وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك حذر خلال زيارته الاخيرة ليوغسلافيا من احداث مزيد من التفكك والتجزئة في منطقة البلقان لان هذا يؤدي الى مشاكل جديدة ويحول دون تحقيق الاستقرار المطلوب، كذلك اكد منسق الشئون الامنية والخارجية للاتحاد الاوروبي خافيير سولانا ضرورة ان يلتزم الزعماء الالبان في كوسوفو بقرار مجلس الامن رقم 1244 الذي ينص على منح الاقليم حكماً ذاتياً واسعاً على ان يبقى داخل الاتحاد اليوغسلافي»، اما رئيس الادارة المدنية الدولية هانز هاكيروب فقد اعلن ان «من حق سكان كوسوفو ومنهم روجوفا ان يعبروا عن آرائهم ومواقفهم بكل حرية، لكنهم واقعياً غير قادرين على اتخاذ اجراءات تتعارض مع قرارات المجتمع الدولي». كل ذلك يحمل على الاعتقاد بأن هامش المناورة امام مختلف الاطراف السياسية في كوسوفو محدود جداً، فصيغة الحكم المقررة للاقليم هي الحكم الذاتي الموسع في اطار جمهورية يوغسلافيا الاتحادية، والحكومة التي سيتم تشكيلها بعد انتخاب ابراهيم روجوفا رئيسا للاقليم، ستعمل تحت اشراف الادارة الدولية، بيد ان فترة السنوات الثلاث المقبلة، وهي عمر البرلمان المنتخب ومختلف المؤسسات الدستورية المنبثقة عنه، ستكون اختباراً عملياً لطرفي الصراع الاساسيين ولمختلف الاقليات العرقية، في شأن امكانية تعايشها اولا، ثم قدرتها مجتمعة على بناء كيان مستقر وقابل للحياة. مقابل هذا الواقع الاقليمي والدولي المفروض، فإن ألبان كوسوفو مصرون على هدفهم الاصلي وهو اقامة دولة مستقلة في الاقليم. بل انهم مازالوا يطمحون الى اقامة كيان ألباني واحد يلتقي فيه كل ألبان البلقان، برغم الصعوبات الكبيرة التي ينطوي عليها هذا المطمح العرقي، ولعل المؤتمر العام الذي عقد في نهاية نوفمبر الماضي في مدينة بريزرين «جنوب كوسوفو» وحضره ممثلون عن الالبان في كوسوفو والجبل الاسود، وجنوب صربيا ومقدونيا وألبانيا، اضافة الى قادة منظمات البانية في مختلف انحاء العالم يكشف عن ان الصراعات العرقية في البلقان ستستمر الى امد غير منظور، على رغم «العمليات الجراحية» التي تقوم بها الاطراف الدولية المؤثرة بين الحين والآخر، لمعالجة الاورام العرقية في هذه البقعة البلقانية او تلك والمصير الذي انتهى اليه الزعيم، الصربي المتطرف سلوبودان ميلوسيفيتش خير مثال على ذلك. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا