بداية لا بد من الاعتراف،أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي، رأى النور في العاشر من ديسمبر 1948 قد خلق حالة من التوازن النسبي،فيما يخص الحقوق الاساسية للإنسان على وجه المعمورة، وأن ما صدر أصبح بلا أدنى شك، جزءاً من الدساتير والقوانين الدولية. أي أن حقوق الإنسان وحريته الفردية والجماعية أصبحت قضية عالمية، بعد أن كانت فيما سبق قضية ضيقة مرتبطة بنوعية وأخلاقية النظام السياسي على المستوى الوطني، ومدى القناعة التي يتحلى بها هذا النظام أو ذاك، بضرورة العلاقة ما بين الحاكم ومحكوميه.لكن النضال العالمي، والتقدمات الجسام التي دفع ضريبتها أبناء بني البشر، قد يخرج هذه القضية من مجرد مبادئ وشعارات وفلسفات أخلاقية بالارتكاز إلى القيم الكانطية والمنظومات اللاهوتية،إلى حيز الحياة الواقعية المعاشة على مستوى الجماعات والأفراد والنظم بلا استثناء.كما أصبح هذا الإعلان حجة ملزمة، لكل الأشكال الاحتلالية،التي سبقت الإعلان واستمرت فيما بعد كنتيجة من نتائج الحرب العالمية الثانية،وما خلفته من مآس لشعوب ودول العالم الثالث كافة.وفتح هذا الإعلان طريقاً، واسعة للشعوب المستعمرة للوقوف بوجه مستعمريها، باعتبار نضالها يندرج تحت الدفاع عن حرية الوطن والمواطن،وكرامة الأفراد والجماعات وحقها بالمواطنة، والإقرار بمنع التمييز العنصري في كل دول العالم،وانهارت جدران هذه النظم المقيتة والتي كانت الجدار قبل الأخير الذي انهار إلى غير رجعة، نظام الابارتايد (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا، ولا يزال شكلاً واحداً يغالب الفناء،بفعل الدعم الغربي اللامحدود، هو الكيان الصهيوني.بالإضافة إلى حق المسكن والمأكل وما إلى ذلك من حقوق أساسية، كان قد أقرها هذا الإعلان، بما في ذلك حالات الطوارئ والحروب، التي تحرم قتل المدنيين الأبرياء، واحترام حقوق الأسرى، وتحريم السجون الجماعية، ومنع استخدام أسلحة الدمار والقتل..الخ. بعيداً عن التبشير، وفي هذه المناسبة، يمكننا القول، أن الإعلان العالمي رغم ما حمله من جوانب إيجابية كبيرة، وما عكسه، بشكل نسبي على حياة الجماعات والأفراد، إلا أنه وبكل ما أنتجه من مؤسسات ومنظمات وجمعيات دولية،لم يستطع منع أو لجم بعض القوى العظمى عن ديمومة ممارستها، التي تمثلت ولا تزال في الهيمنة السياسية والاقتصادية، على مقدرات البلدان الضعيفة، وفي المقدمة منها دول العالم الثالث، التي يئن من شدة هذا التسلط، والذي بدوره حول هذه البلدان،بسبب ذلك، إلى بلدان حروب أهلية أنتجت المذابح الجماعية والمجاعات والخروقات لكل ما من شأنه أن يمت له الإعلان الدولي الملزم، لكل القوى والأحزاب والسلطات والحكومات، على اختلاف مشاربها وانتماءاتها. لكن ما يهمنا في هذا المقام، ليس إعادة قراءة نصوص الإعلان، وكيفية تطبيقه، كما يحاول البعض، بهدف التهرب من المواقف، بقدر ما يهمنا، في الذكرى الثالثة والخمسين، التذكير بالممارسات العنصرية الإسرائيلية، التي تمارس ضد شعب أعزل في الأراضي الفلسطينية المحتلة،إن كان فيما يسمى اصطلاحاً،أراضي عام 1948 أو أراضي العام 1967، حيث لم تشهد حقبة في تاريخ البشرية غزوا أشد قسوة وأكثر إيلاماً من هذا الشكل الجاثم على الأرض الفلسطينية. فلم يكتف هذا الاحتلال الاستيطاني الإجلائي، بأن طرد أبناء البلد الأصليين وافقدهم حقهم في المواطنة في موطنهم الأصلي، وشردهم إلى أصقاع الأرض بمشارقها ومغاربها، بل عمل مبكراً على مطاردة من شردهم، باستخدام أبشع أشكال القتل الفردي والجماعي، والأمثلة في لبنان والأردن، ودول أوروبا وأمريكا أكثر من أن تعد وتحصى، دون أن نغفل مذابح صبرا وشاتيلا،التي قام فيها الاحتلال في لبنان عام 1982. بل لا يزال ممعناً في ممارسة سياساته، برفضه القاطع لما أقرته الأمم المتحدة وشرعته حقوق الإنسان،التي نتحدث عن ذكراها، في منعهم من العودة إلى ديارهم التي طردوا منها بموجب القرار الدولي 194، الذي أعطاهم كل الحق لعودتهم إلى ديارهم طبقاً للنصوص والأعراف والمواثيق الدولية المتوافق عليها. ولعل الأغرب من ذلك، تلك الممارسات العنصرية، رغم التشدق بحقوق الإنسان وحق المواطنة إسرائيلياً، التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ضد من بقوا متشبثين في أرضهم ووطنهم، فهؤلاء،حسب إحصائيات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، يعيشون في غالبيتهم بعيداً عن قراهم،حيث بقي من أصل 44قرية فلسطينية،ما يزال نحو 11قرية يعيش أبناؤها مهجرين حتى هذه اللحظة.ناهيك أن سلطات الاحتلال استمرت في اتخاذ كل الإجراءات القانونية - التشريعية والميدانية - العملية لتثبيت واقع استيلائها على الأراضي والقرى العربية المهجرة وواقع التهجير، يدفعها إلى ذلك هاجس الخوف من عودة المهجرين العرب إلى قراهم. وقد شرعت تلك الممارسات بسن قوانين وأنظمة تتطرق بصورة غير مباشرة إلى المهجرين، وبصورة مباشرة إلى الأراضي والقرى المهجرة.دون إغفال ما قامت به من تطبيق أنظمة الطوارئ الاحتلالية، كإغلاق المناطق عسكرياً. بالمقابل عملت على عدم اعترافها بالقرى العربية،خاصة في منطقة بئر السبع، وأحجمت عن تقديم أية خدمات لبناها التحتية، بحجة أن هذه القرى غير مرخصة، بينما تقوم في مصادرة أملاك الغائبين، بهدف بناء المستوطنات وتوسيع ما يسمى بمدن التطوير، دون أن يتعرض لذلك لا المجتمع الدولي ولا جمعيات حقوق الإنسان.على الرغم من أن المهجرين لا يزالون، مع الأسف، يعولون على الشرعية الدولية التي تبنت حق العودة لكل المهجرين واللاجئين الذين يرغبون في ذلك، وإن كانت اسرائيل وسلطاتها المحلية تسعى لوأد هذه القضية بالتزامن مع ما يسمى بالتقادم. ناهيك عن الممارسات ضد أبناء الضفة وقطاع غزة المحتلين، والتي ضربت على مرأى العالم أجمع بكل ما يمت بحقوق الإنسان من صلة ؛ولعل الحصارات الجائرة والقتل اليومي ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، كلها تصب في تجاهل حقوق الإنسان، اضافة الى عمليات الخطف والقتل والتعذيب التي تمارسها قوات الاحتلال مع المعتقلين الفلسطينيين داخل سجونها، بداية من العزل الانفرادي وانتهاء بالتعذيب الجسدي الذي يصل حد القتل.دون أن نتجاهل حتى الممارسات العنصرية، داخل هذا التجمع الاستيطاني، الذي يحاسب على اللون والعرق والأصول التاريخية، فعلى سبيل المثال تجري ممارسة عنصرية واضحة ضد من يسمون يهود الحبشة س الفلاشاس، هؤلاء يعانون أسوأ أنواع المعاملات العنصرية، في مكان يتواجدون به، حتى دماؤهم غير مقبولة عند اليهود المنحدرين من أصول غربية.بالإضافة إلى أن هذا السلوك لا يزال يمارس ضد اليهود الشرقيين، وبعض الاتجاهات غير المتوافقة مع الكثير من الممارسات العنصرية، لدرجة دفعت هذه الكتل دفعاً في تشكيل قوى سياسية خاصة بها، باعتبار ذلك يخفف الأعباء العنصرية التي تمارس من قبل الفئات الغربية المسيطرة سياسياً وأمنياً واجتماعياً، على أساس عنصري. أمام هذه التجاوزات المخلة بالمواثيق الدولية، وتفاقم الانتهاك للحقوق والحريات الفردية والجماعية داخل اسرائيل،بات مطلوباً الوقوف في وجه هذه التحديات، لحمل اسرائيل على احترام تعهداتها الدولية، وكشف وجهها القبيح الذي تخبئه خلف قناع من الديموقراطية الزائفة.وفضح ممارساتها العنصرية، باعتبارها الاحتلال العنصري الاجلائي الإحلالي الباقي على وجه الخليقة، والقائم على أساس ديني وعرقي، وهذا الشكل القميء من العنصرية يحتاج إلى لجان رقابية متخصصة ومحاكم دولية منصفة، تكون محايدة، واعتبار هذه البقعة الجغرافية كأية بقعة في العالم، بصرف النظر عن الهيمنة الدولية والانحياز لها من قبل الولايات المتحدة. وهذه المهمة، تقع بالدرجة الأولى، على عاتق الحكومات والمنظمات العربية الإقليمية والوطنية، في العمل على فضح هذه الأساليب، وضرورة ربط أي تطور في العلاقات الإقليمية على صعيد المنطقة مرهون بالمقاطعة لهذا الشكل العنصري وذيوله، دون ذلك سنبقى نعاني من هذه الممارسات العنصرية دون مجيب أو حسيب.ليبقى المطلوب على الدوام الخضوع لسيطرة ومشيئة هذا الكيان العنصري، باعتباره واحة الديمقراطية في المنطقة. ـ كاتب فلسطيني