بلجوئها مرة اخرى لاستخدام الفيتو في مجلس الامن الدولي لاحباط مشروع قرار يهدف الى توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني فإن الولايات المتحدة تعكس بذلك اعتقادها الراسخ بأن رد الفعل العربي الرسمي سوف يبقى على حالته السلبية المعهودة، وكالعادة لم تكذب الحسابات الامريكية، فالمواقف التي اتخذتها الحكومات العربية تراوحت بين السكوت وابداء «أسف». ان البيانات الرسمية التي تصدر من حين لآخر من العواصم العربية توحي في كل مرة وكأن الحكومات العربية على وشك تغيير خطها السياسي الاسترضائي تجاه الولايات المتحدة كلما اتسع نطاق القمع الدموي الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة لكن العداء الامريكي للشعب الفلسطيني لايزداد إلا علانية لأن ما يصدر عن الحكومات العربية على صعيد البيانات الاعلامية يناقضه تماما مواقفها الخفية في اطار الاتصالات الدبلوماسية السرية مع المسئولين الامريكيين، وبالتالي فإن الادارة الامريكية لا تقدم على اتخاذ موقف في خطورة تكرار استخدام حق الفيتو إلا وهي مطمئنة تماما انها لا تركب اي مخاطرة دبلوماسية يمكن ان تنطوي على تعريض المصالح الامريكية الحيوية في العالم العربي لأي ضرر. استخدام الفيتو كان سابقا عليه صدور تصريحات عن الرئيس بوش ووزير خارجيته كولن باول بمثابة ضوء اخضر للحكومة الاسرائيلية لتصعيد حربها ضد الشعب الفلسطيني دون ان تخشى اثارة معارضة دولية. فالولايات المتحدة بنفوذها وضغوطها العالمية تتكفل باحباط مثل هذه المعارضة في مهدها. لكن واشنطن على صعيد الواقع الدولي لا تضطر الى ممارسة نفوذ او ضغوط لانه في حقيقة الامر لا تنشأ معارضة اصلا من قوى دولية اخرى كالصين او روسيا او الاتحاد الاوروبي مثلا. فكيف تنشأ مثل هذه المعارضة اذا كانت مجموعة الدول العربية نفسها صاحبة القضية لا تبدي اي بادرة حزم ضد واشنطن حتى لو تصاعدت الحملة القتالية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين الى مستوى ابادة او شبه ابادة. مع ذلك برز تفاؤل شعبي في الوطن العربي في اعقاب احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة بأن واشنطن «استيقظت» اخيرا الى ضرورة تغيير توجهاتها الانحيازية تجاه الصراع العربي الاسرائيلي في اطار معادلة تبادلية تدعم بموجبها الدول العربية الحملة الامريكية في افغانستان في مقابل اعتراف واشنطن بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة كاملة السيادة. وكان المفهوم عربياً ان الولايات المتحدة سوف تدخل بموجب هذه المعادلة المتوازنة مواجهة حاسمة ضد اسرائيل. ولكن ما كادت الولايات المتحدة تحقق الاختراق الاولي في حربها الافغانية وترى مؤشرات الانتصار حتى اتضح ان واشنطن تتعامل مع المعادلة على اساس انها خدعة تكتيكية مؤقتة. والآن ومع تنصل ادارة بوش تماما من هذه المعادلة فإن واشنطن باتت تعتبر كل فصائل المقاومة الفلسطينية منظمات ارهابية ينبغي ألا يكون مصيرها مختلفا عن مصير تنظيم «القاعدة» في افغانستان. ان المأساة العربية العظمى تتمثل في ان نظرة الحكومات العربية الى المقاومة الشعبية الفلسطينية وفصائلها لا تختلف عمليا عن النظرة الامريكية، وبالرغم من انه لم تدمغ دولة عربية واحدة اي فصيل فلسطيني بالارهاب إلا ان ابتعادها العمد عن هذه الفصائل يدعم الموقف الامريكي. وللأسف لا تبدو على الافق القريب اي مؤشرات بأن هذه المأساة العظمى سوف تتبدد قريبا، والذي يبدو مؤكداً لحين اشعار آخر ان قدر الشعب الفلسطيني هو ان يعتمد على قدراته الذاتية أولا واخيراً.