كانت الشمس تميل نحو المغيب بينما كان مئات الآلاف من المسلمين منهمكين في الذكر والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن في الحرم المكي الشريف يوم السادس والعشرين من رمضان الماضي ليلة السابع والعشرين فجأة سرت همهمة بين الناس لم أتبين كنهها فبقيت منشغلا فيما أنا فيه حتى ارتفع صوت أحدهم قائلا «الله أكبر.. قتل شارون» لم يغير الخبر مني شيئا بينما سارت شبه هيستيريا بين الناس وأصبح كل من يحمل هاتفا نقالا يتصل بمن يعرف لا ليستفسر منه وإنما ليبلغه بالخبر وكأنه مؤكد، جلست أشاهد الاشاعة كيف تسري في الناس بينما قال بعض العقلاء لنتصل على قناة الجزيرة حتى نعرف دقة الخبر من عدمه لكن آخرين ردوا عليهم بأن الخبر قد تم اذاعته من فضائيات أخرى وانه مؤكد. كان من حولي ممن يعرفونني يتعجبون من صمتي بل من تأكيدي لهم بأن الخبر ليس سوى شائعة من الشائعات التي يروجها الناس بسبب الاحباط الذي يخيم عليهم من كل النواحي، ففي اليوم السابق لهذا اليوم جاءني أحد الشباب السعوديين في الحرم وقطع عليّ قراءة القرآن وقال لي: لماذا لم تعودوا تذيعون الحقائق في قناة الجزيرة؟ قلت له: أي حقائق تقصد؟ قال: إن هناك خبرا مؤكدا ان خمسة آلاف أمريكي قد قتلوا في أفغانستان؟ فغرقت في الضحك وقلت له: خمسة آلاف مرة واحدة؟ قل: خمسة أو عشرة لكن خمسة آلاف؟ قال لي: الخبر مؤكد. قلت له: إذن ما هو مصدره؟ قال: جاءني في رسالة على الهاتف ممن أثق فيه، قلت له: ومن تثق فيه هذا من أين حصل عليه؟ قال: ممن يثق فيه؟ قلت له: وإلى أين تصل روايات هؤلاء الثقات يا سيدي؟ ان علم رواية الأخبار أو نقلها يقوم على أسس علمية ليس من اليوم وإنما منذ وضعه رواة الحديث والأخبار المسلمون قبل مئات السنين، وبعد حوار مطوّل من صاحبنا قام غير مقتنع بكلامي القائم على الأسس العلمية والحجج العلمية وأصرّ على أن يصدق من يثق فيه، بعد ذلك عرف كثير من هؤلاء الشباب المكان الذي كنت أصلي فيه، ورغم أني كنت أغطي وجهي دائما بالشماغ حتى أتجنب تعرف الناس عليّ وأستفيد من أيام رمضان إلا ان هؤلاء كانوا يصرون على ان يمدوني دائما بالأخبار ممن يثقون فيهم حتى ان أحدهم قال لي: لقد وصلت أربعمئة جثة لأمريكيين الى قاعدتهم في البحرين قتلوا في افغانستان منها مئتا جثة بلا رؤوس قلت له وأنا أضحك من الهم: وهل وقف هؤلاء كالخراف ليذبحوا على أيدي طالبان والقاعدة؟ ولماذا أرسلوا الى البحرين وليس الى قاعدتهم في ألمانيا أو الى الولايات المتحدة مباشرة؟ وجاءني آخر يقول لي هل سمعت آخر الأخبار؟ قلت له: لا، لانه للأسف ليس لي علاقة بمن تثقون فيهم، قال: حدثني هاتفيا من افغانستان من أثق فيه من الشباب المجاهدين انهم يخوضون في جثث الامريكيين وانهم قد أوقعوا بهم مقتلة عظيمة فقلت له لن أسألك عن أي شيء يتعلق بعلم الاخبار أو كيفية اتصال من تثق بهم بك ولكن لماذا اتصلوا بك ولم يتصلوا بقناة اخبارية مثل «سي.ان.ان» أو «الجزيرة» طالما انهم يملكون أداة اتصال؟ وكان هناك شاب يأتيني كل يوم يحمل هاتفه النقال ليبلغني بما وصله عليه من رسائل خلاصتها ان القوات الامريكية في افغانستان تفقد كل يوم مئات القتلى والجرحى فكان يضيف اليّ كل يوم بعض الهموم برواياته المضحكة عمن يثق فيهم وكان يصاحبه دائما شاب قطري هو الذي أحضره لي أول مرة، وكانت جلسته مسلية رغم انها كانت تأخذ بعض الوقت لكنها كانت تكشف جانبا كبيرا من دائرة الوهم التي يعيش فيها كثير من شباب المسلمين بسبب الاحباط الذي تعيشه الامة بعدما تكالب عليها الاعداء من كل جانب، وفقدوا ثقتهم في حكوماتهم وفي العالم، فأصبحت صناعة الاكاذيب وترويجها مخرجا لهم. وفي يوم تأخر هذا الشاب ولم يأت كعادته ليحمل لي أخباراً وبدقة أوهام من يثق فيهم والتي تأتيه عبر هاتفه النقال، وفي اليوم التالي لم يأت ثم جاءني الشاب القطري الذي أحضره لي أول مرة وقال لي وهو يضحك هل تذكر الشاب الذي كان يأتي إليك بالاخبار التي تأتيه عبر الهاتف النقال ممن يثق فيهم وكنت تفندها وتكذبها له دائما وهو يصر على صدقها قلت له نعم أين هو لقد اختفى؟ قال لي لا انه لم يختف ولكنه فقد هاتفه النقال ولم تعد تأتيه الرسائل. أعود الى الخبر الأول أو الوهم الأول وهو خبر مقتل شارون الذي ظل الناس يرددونه في الحرم الى فجر اليوم التالي وكأنه هو المخرج الأساسي الذي سيحل قضايا المسلمين، وقد أخذت أتتبع مصدر هذه الاشاعة وكيف سرت في الناس فسمعت لها روايات عديدة من أهمها أو أكثرها قبولا ان أحد المصلين في الطابق الثاني من الحرم صاح بأعلى صوته «اللهم أهلك شارون» فأخذ الناس يرددون دون وعي بأن شارون قد قتل أما الرواية الاخرى فهي ان أحدهم قد غفا في نفس الطابق الذي كان مصدر الاشاعة ثم رأى في منامه ان شارون قد قتل فهب من نومه صائحا «الله أكبر لقد قتل شارون». وهكذا بين الأحلام والأوهام وروايات الثقات الذين لا يعرف لهم أصل أو فصل يعيش المسلمون بسبب حالة الاحباط التي تخيم عليهم أوهام صناعة الأكاذيب ثم تصديقها وترويجها، ربما يكون هذا لدى بعضهم مخرجا من حالة الهزيمة التي يعيشونها لكن المشهد في النهاية يكشف الى أي درك ومنزلق وصل المسلمون حتى وهم في بيت الله العتيق في مكة المكرمة. ـ كاتب واعلامي مصري