أدركنا الآن الحكمة العربية التي وجدت في الخلاف حول مكان انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب لبحث الأوضاع الخطيرة في فلسطين. طوق النجاة لتجنب الفضيحة أمام الرأي العام العربي، والتي لم تفلت منها الدول الإسلامية التي اجتمعت وبحثت وانفضت، فلم يشعر بها أحد، ولم يلتفت إليها أحد، ولم يأخذ أمر اجتماعها مأخذ الجد أي طرف من الأطراف. انعقد الاجتماع وانفض ببيان انشائي يعرف أصحابه أنه لن يقدم ولن يؤخر، وبانت الحكمة العربية التي أدركت أن اجتماع وزراء الخارجية العرب لن يكون إلا نسخة مكررة من اجتماع وزراء الدول الإسلامية، وأن العجز العربي سيفرض حضوره على أي اجتماع، والشلل الذي أصاب النظام العربي سيسود على كل شئ آخر، وأن الوقوع بين الضغوط الأمريكية من جانب ومشاعر السخط العربية من جانب آخر سوف تضع الوزراء العرب في حرج مع حالة الغياب في الشارع العربي، والتي قد تكون السكون الذي يسبق العاصفة. الهروب من مواجهة التحديات الحكمة العربية وجدت المخرج في الخلاف على قرار نقل الاجتماع إلى الدوحة ليسبق اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية، وهو القرار الذي اعتبره الكثيرون خروجا على ميثاق الجامعة وخلطا للأوراق وتقليلا من فاعلية الجامعة، وبدلا من قرار يعيد الأمور لنصابها ويعيد الاجتماع لمقر الجامعة، تم الغاء الاجتماع، وقيل إن لقاء تشاوريا سيعقده الوزراء في الدوحة على هامش اجتماع الدول الإسلامية، ومن باب الاحتياط امتنع وزراء خارجية دول مؤثرة عن الذهاب للدوحة أصلا، وإنتهى الأمر بلقاء في غرفة الأمين العام للجامعة العربية بين عدد من الوزراء، ولم يتم تحديد موعد جديد لاجتماع المجلس الوزاري للجامعة العربية، ولعل ذلك كله كان خيرا وبركة، فقد أعطى للجميع صورة حقيقية لنظام عربي لا يعرف ماذا يفعل أمام التحديات إلا الهروب من مواجهتها! والمشكلة أن هذا الهروب أو التهرب قد يمنع الحرج ولكنه لايمنع الأوضاع الخطيرة من أن تتحول إلى كارثة لن ينجو من آثارها نظام عربي واحد ففي عالم تعاد صياغته من جديد برؤية أمريكية خالصة لم يعد للعرب من دور إلا أن يكونوا الضحية والمتهم في وقت واحد، وأن يتم القصاص منهم على جريمة لم يرتكبوها، وأن يدفعوا كل الفواتير عن مأساة لم يصنعوها. كان المفروض أن يلتقي وزراء الخارجية العرب لمناقشة الأوضاع الخطيرة الناشئة عن حرب الإبادة التي تشنها حكومة شارون، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام تصور أمريكي أوسع يضع المنطقة كلها على فوهة بركان ويضع نصف الدول العربية على لائحة الإتهام بالإرهاب، ويستعد للانتقال من أفغانستان إلى المنطقة العربية، ويبدأ في ترتيب الأهداف التي سيتم ضربها. وفي ظل هذا التصور حصل شارون على التأييد الأمريكي الكامل لتصفية المقاومة الفلسطينية وضرب السلطة الوطنية والخلاص من عرفات وفرض الهدوء الذي يتيح لواشنطن الفرصة لتنفيذ باقي مخططاتها في المنطقة بدءا من ضرب العراق بنفس الأسلوب الذي اتبع في أفغانستان إلى إنهاء كل صوت عربي يرفض الاستسلام. وإذا كانت الجهود العربية والاسلامية والدولية بشأن ما يجري في فلسطين قد تركزت ـ قبل كل شيء ـ في الأيام الأخيرة حول منع تصفية الرئيس عرفات خوفا من العواقب الخطيرة لذلك.. فإن غاية ما تم الحصول عليه من شارون هو أن التخلص من عرفات لم يتقرر بعد!! ونفس الشئ يحدث بالنسبة للعراق. فمنذ بداية الأزمة، وحينما ذهب عاهل الأردن الملك عبد الله إلى واشنطن وعاد ليقول إن الرئيس الأمريكي أكد له أن الحرب على الإرهاب لن تمتد لتشمل ضرب العراق، كان رد الفعل الأمريكي هو نفي ما صرح به ملك الأردن، وترك الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات. العرب بعد افغانستان واستمر الأمر كذلك حتى كادت العمليات الأمريكية في أفغانستان أن تصل لنهايتها لتتصاعد الدعوات في واشنطن لأن تكون العراق هي الهدف الثاني ورغم اعتراضات عربية وتحفظات دولية على هذه الخطوة التي لا يرى الجميع مبررا لها، فإن الحملات لتمهيد المناخ لوضع هذه الخطوات موضع التنفيذ سارت في طريقها، وانتقل الحديث عن ضرب العراق من الإعلام الأمريكي، إلى أعضاء الكونجرس، إلى الإدارة الأمريكية والرئيس الأمريكي نفسه. ومع تطور الأحداث انتقلت اللهجة من مجرد نفي التعهد للملك الأردني أو غيره من الزعماء العرب بعدم ضرب العراق، إلى التأكيد على أن الخطط الأمريكية لا تتضمن ضرب العراق (الآن) إلى الترويج أخيرا على لسان أكثر من مسئول أمريكي.. من باول وزير الخارجية (المعتدل) إلى تشيني نائب الرئيس ( المتشدد) إلى الرئيس نفسه بأن واشنطن لم تتخذ قرارا بعد بضرب العراق! هكذا أصبح على العرب أن يعيشوا مرحلة (ليس. بعد)! فتصفية عرفات مقررة ولكن.. ليس بعد! وضرب العراق مقرر ولكن.. ليس بعد! وعلينا أن ننتظر حتى يقرر سادتنا الذين في واشنطن وأعداؤنا الذين في تل أبيب: حتى يضربوا العراق وحتى يتم القضاء على السلطة الفلسطينية؟! أي أن المسألة مسألة وقت ليس إلا، فالقرارات موجودة والنية منعقدة، ووقت التنفيذ فقط هو الذي سيتم تحديده. والغريب أن يكون رد الفعل العربي والإسلامي، على ذلك كله هو الصمت وقبول الأمر على أنه قضاء وقدر! والأغرب أن يحاصرنا الخوف فيصبح أقصى ما نستطيعه أن نطالب سفاح صابرا وشاتيلا أن يتوقف عن مذابحه، وأن يكون موقفنا من ضرب العراق المنتظر هو الدعاء أن يجنبنا الله شر المكاره، ثم الوقوف في طابور الانتظار لنعرف الهدف القادم بعد العراق! والدائرة تضيق من حولنا، وسيف الإتهامات يحاصر الجميع . فالفلسطينيون ـ كما فرضت أمريكا على العالم ـ هم شعب من الإرهابيين يرفض (نعمة) الاحتلال الإسرائيلي ويصر على المقاومة وبالتالي يستحق المذبحة التي تقام له على أيدي شارون وحكومته، ومصر والسعودية متهمتان بتصدير الإرهاب. رغم أن (المستوردين) الأمريكان والأوروبيين هم الذين أقاموا خلايا الإرهاب في بلادنا، وهم الذين حولوا شبابنا إلى أسرى لأفكار العصور الوسطى، وهم الذين ساقوهم ليحاربوا نيابة عن أمريكا ضد السوفييت في أفغانستان، وهم الذين أطلقوهم على أوطانهم بعد ذلك، ووفروا لهم المأوى حين حاصرتهم يد العدالة ومنحوهم الملجأ الذي يمارسون منه نشاطهم ضد أوطانهم. وباقي الوطن العربي داخل قفص الاتهام. منظمات المقاومة ضمن قوائم الإرهاب، وسوريا ولبنان تدعمان المقاومة، والقوائم الرسمية الامريكية ـ حتى قبل أحداث 11 سبتمبر ـ تضع مع سوريا ولبنان كلا من العراق والسودان وليبيا ضمن الدول التي تمارس الإرهاب أو تدعمه. وتزداد الهجمة شراسة بمقدار ما يظهر من العجز العربي، وتنضم أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في المطالبة بتصفية منظمات المقاومة الفلسطينية باعتبارها منظمات إرهابية .ويتقدم الرئيس الأمريكي خطوة اخرى على طريق ضرب العراق فيعلن أن الحرب ضد الإرهاب ستمتد لتشمل كل من يحاول تطوير أسلحة الدمار الشامل، وهي التهمة الأبدية التي تتمسك واشنطن بتوجيهها للعراق والتي ازداد التركيز عليها بعد أن فشلت محاولات إيجاد أي صلة لبغداد بمرتكبي أحداث 11 سبتمبر، أو بمسرحية الجمرة الخبيثة. ويمضى نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني خطوة أخرى حين يؤكد أن سقوط نظام طالبان في أفغانستان يجب أن يكون درسا للنظام العراقي، معلنا أن العراق والصومال يمثلان تهديدا للأمن القومي الأمريكي! وأمريكا ـ وهي تفعل ذلك ـ تعلم أن العرب غير مسئولين عن أحداث 11 سبتمبر، وأن مسئولية تحويل أفغانستان إلى بؤرة للتطرف والتشدد باسم الإسلام هي جريمة تتحمل مسئوليتها كما تتحمل مسئولية حشد الشباب العربي هناك باسم (الجهاد) ضد الكفر الذي كان السوفييت يمثلونه يوما، وأصبح الأمريكان هم ممثلوه بعد أن ساءت العلاقات بينهم وبين طالبان التي صنعوها بأنفسهم وأعطوها الدعم لترث حكم أفغانستان. وأمريكا ـ وهي تفعل ذلك ـ تعلم أن هناك إحتلال إسرائيليا اعترف وزير خارجيتها بوجوده، وأن طالما كان هناك إحتلال فلابد من مقاومة وطنية لها كل الشرعية مهما حاولت تزوير الحقائق وإهدار كل القرارات الدولية. وأمريكا ـ وهي تفعل ذلك ـ تعلم أن العراق، بعد عشر سنوات من التدمير والحصار والتجويع ـ لا يشكل تهديدا لأحد، وأن المهمة التي سمح بها المجتمع الدولي كانت تحرير الكويت وليست تدمير العراق أو إذلال شعبه، وقد تمت المهمة قبل عشر سنوات، وكل ما تفعله واشنطن بعد ذلك من تدمير وحصار ومحاولة لتقسيم العراق هو خارج الشرعية وليس له من هدف إلا خدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. ولو ترك الأمر للعرب لكانت المصالحة بين الأشقاء قد تمت منذ سنوات، ولكن ذلك كان يعني استعادة العراق لعافيته وخروج القوات الأمريكية من قواعدها في الخليج وانتهاء الإبتزاز المالي والسياسي والعسكري لدول المنطقة. موقف حاسم ولن يجدي العرب ـ في مواجهة ذلك ـ أن يخبئوا رؤوسهم في الرمال، ولا أن يضغطوا على الفلسطينيين لكي يقبلوا مالا يمكن قبوله، ولا أن يتركوا العراق وحده، ولا أن يتوسلوا للعالم ـ ولأمريكا أساسا ـ لكي يخف بطشها بهم، فتتوقف مذابح شارون، ويتوقف وضع السيف على رقبة العراق وغيره من الدول العربية باتهامات يعلم الجميع أنها غير صحيحة. ما يجدي العربي هو موقف حاسم يتمسك بالحق ويدافع عنه يرفض الاتهام بالإرهاب وهو ضحيته الأولى يقول إن للآخرين مصالح يريدها أن تتوافق مع مصالحه ولن يكون العدوان هو سبيل الحفاظ على هذه المصالح.. بل العكس هو الصحيح، ومهما كانت موازين القوى في غير صالح العرب الآن. ولعل ذلك كان في ذهن عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية وهو يلقي كلمته في اجتماعات المؤتمر الإسلامي فيطلق صيحة تحذير من قبول السلام الإسرائيلي، ويرفض ـ مهما كانت الظروف ـ وصم منظمات المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، ويعلن أن السلام العادل والشامل هو وحده القابل للحياة، وهو وحده ما ينبغي أن يقبل به العرب،ويرفض أن تمتد الحرب ضد ما يسمى بالإرهاب لتكون حربا ضد العرب. و. كالعادة، كنت سأصرخ على الورق مناديا بقمة عربية طارئة تعلن للعالم موقفا عربيا موحدا يقبل السلام العادل ويتمسك بالإنسحاب من كل الأرض المحتلة وبعودة القدس العربية،ويعلن أن انفراد إسرائيل بالسلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل لايمكن أن يرضخ له العرب، وأنهم يقبلون بشرق أوسط خال من كل هذه الأسلحة شريطة أن تكون إسرائيل أول الملتزمين به، ثم يؤكد أن ضرب أي بلد عربي سيكون عدوانا على العرب أجمعين. وسيدفع من يقوم به الثمن من مصالحه و. لكنني عدت فأدركت أن (الحكمة) العربية التي رفضت اجتماعا لوزراء الخارجية لن تقبل بقمة،وإذا قبلت فلن يسمح لها، وإذا سمح لها فلن نخرج منها بشئ. فليقنع الجميع بما هم فيه بدلا من المزيد من الاجتماعات التي لا ينتج عنها إلا المزيد من الإحباط وليعش الجميع في مرحلة (ليس بعد) راضين عن أنفسهم لأن جهودهم تكللت بالنجاح وتأكد لهم ولنا أن تصفية القيادة الفلسطينية وضرب العراق أو غيره من الدول العربية . كلها قرارات مؤجلة إلى حين. أو هكذا قيل. وإلى أن يتم التنفيذ، لا بأس من أن نقضي الوقت مع مسلسلات رمضان التليفزيونية، أو نجري وراء المليون دولار في البرامج المختلفة، أو نتابع مسلسل قتل الأطفال في فلسطين، ونقرأ في كتاب (رسائل الأحزان).وكل عام والكل بخير، يتابع المأساة ويردد: ليس بعد!! ـ نائب رئيس تحرير « اخبار اليوم » المصرية