أي بهجة تلك التي يحملها العيد؟ وهل يمكن للعيد أن يحمل شيئاً آخر غير البهجة؟! وأي ألق ذلك الذي تكتسي به أيام العيد؟ وهل يمكن لذلك الألق أن يحمل تداعيات سوى مشاعر الفرح؟! رتيبة تمضي الأيام.. نعيش بعضها بكل كياننا.. ونجتّر بعضها الآخر هرباً من أيام لا نود أن نعيشها.. ثم يأتي العيد ليكسر هذه الرتابة.. يأتي ليعيد لأنفسنا صفاءها.. يأتي ليوقف سيل الشكوى.. ليغير مجرى نهر الحياة.. ليضخ في ذلك النهر مياهاً جديدة.. ليبعدنا عن ضفاف الأحزان.. ويوجه دفة سفينتنا إلى جداول الذكريات.. إلى مرافيء الأمنيات.. ليوقد في نفوسنا شموع الأمل.. ويبث في الزوايا التي أوشك أن يلفها الصقيع دفء المنى.. ويرسل فوق الأغصان التي تساقطت بعض أوراقها عنادل الفرح.. لتعزف على الأوتار التي تراخى بعضها مقطوعات من ألحان الحياة.. فتعود تلك الأوتار إلى سابق عهدها... تسمعنا أعذب الألحان.. وتنفض عنها ما تراكم عليها من غبار الزمن.. وتنضو عنها ثوب الحزن الذي كاد يخنقها وهو يحول دون رؤيتها للورود التي تتفتح كل يوم على شجرة الحياة. يأتي العيد وبعض الشفاه لاتزال تعيد طرح ذلك السؤال الذي أرسله متنبي الشعر منذ ما يزيد على عشرة قرون.. ويأتي العيد والبعض لايزال يبحث عن إجابة لذلك السؤال.. فأي حيرة تلك التي تستبد بنا.. وأي عجز ذلك الذي تحمله نفوسنا ونحن نقف عند مفارق الطرق.. نقلب أوراق الزمن.. نتصفح دفاتر الايام... نبحث لأنفسنا عن مبررات نلقي عليها اخفاقاتنا في الحياة.. تعود أصابعنا القهقري.. تنبش في أكوام الحجارة التي تراكمت خلفنا.. نبحث عن حجر كان ذات يوم سبباً لكبوة أو عثرة أوقعتنا على وجوهنا.. وننسى أن تلك الكبوة قد زادتنا قوة.. وجعلتنا ننهض منها أكثر صلابة.. وزادت من قدرتنا على تبين معالم الطريق.. ننسى أنها قد عززت من جهاز مناعتنا.. وأكسبتنا مهارة التفريق بين العدو والصديق.. ننسى أن علينا ان نصنع من تلك الحجارة تمثالاً لصمودنا واستمرارنا في الحياة بدلاً من أن نلعنها ونقيم منها سداً يحول دون وصولنا للضوء الذي يلوح في نهاية النفق.. ننسى أن المجاديف القوية لا تدفع وحدها بالقارب إلى الامام إن لم تحركها سواعد هي الأخرى قوية.. وأن السواعد إنما تستمد قوتها من عزائم قوية ونفوس لا تقنع بالوقوف على ضفة واحدة من النهر بينما تمتد الضفاف الأخرى امامها فسيحة، والمجرى يتسع لمئات الزوارق، ورمال الشطآن الأخرى تفتح ذراعيها للأقدام المشتاقة للأرض وللشمس وللنسمة تفتح أبواباً للحب وللخير وللبسمة. يأتي العيد لتأسرنا نظرات الاطفال.. تحملنا لعوالم من طهر يتدفق منها كالشلال.. يعيد بناء دواخلنا ... ويرمم منها ما أصبح آثاراً قد درست.. تضيء النظرة منها عتمة ذاك الليل إذا أحكم قبضته.. لنعود نحلق في زمن لم تطفيء شمعته أمطار سوداء.. لم تقتل روعته أسياف الغرباء.. لم تنهب خزائنه غارات الغوغاء.. لم تعصف بشراع سفينته أنواء هوجاء.. وما داست أزهار حديقته أقدام رعناء.. نعود نحلق في زمن نتمنى لو أنا عشناه طويلاً .. نتمنى لو أنّا لم نخرج منه على هذا الوجه من السرعة نتمنى لو أن لنا كرة.. لكن هيهات.. هيهات أن نرجع.. فالساعة لا يرجع عقربها أبداً بالمرة. يأتي العيد لتحرسنا دعوات الأحباب.. تحفظنا من عين الحسّاد.. لتسد عليها كل الأبواب.. ليهل علينا الخير إذا صافح قلب قلباً.. ومسحنا كل دفاترنا تلك المخطوطة من حقد أو حسد أو حتى آثار عتاب. يأتي العيد ليحضننا قلب.. قلب لا نعرف كيف توغل في أعماق القلب.. لا نعرف كيف تغلغل في دمنا.. كيف أزال متاريساً قد كانت تحرسنا.. كيف احتل قلاعاً خلناها تسقط.. كيف تسلم كل مفاتيح مدائننا.. كيف تربع فوق عروش ممالكنا.. كيف أتانا في ليلة قدر ليضيء زوايا عتمتنا.. كيف تمكن ان يصبح ماضينا.. حاضرنا.. ان يملك ناصية المستقبل ويحول دفة مركبنا... أن يغدو أعذب لحن تعزفه أوتار الوجدان.. ان يخلع عنا أثواب الأحزان.. ان يبذر أرجاء حديقتنا بالفل وبالزنبق والريحان.. قلب لا نعرف كيف نكافئه.. لا نعرف كيف نهنئه.. كيف نمد جسوراً من ذهب.. من ورد.. من نور.. لنزف إليه مواكب فرحتنا.. ونقدم بين يديه فروض مودتنا.. نعلنه عيد الاعياد.. نسميه تباشير الميلاد. أفراح الدنيا إن عزّ بها فرح.. واللهفة إذ تحبس فينا كل الانفاس.. والبهجة إذ تحضر صاخبة فندق لنا كل الأجراس.. وملاحم كل العشاق.. أروع ما قال الشعراء... وأجمل ما حفظ القرطاس. نعلنه أرضاً وسماءً لا تحجب زرقتها غيمة.. نعلنه أفقاً وفضاءً ممدوداً لضياء النجمة.. نعلنه كوناً أبدياً للحب وللخير وللرحمة. يأتينا العيد كشلال يغمرنا بمياه طاهرة.. يأخذنا من برك آسنة.. ويعيد لأنفسنا صفواً يتبعثر بمرور الأيام. يأتينا العيد وثمة أسئلة.. عن معنى العيد إذا جاء ولم يمح كل الآلام.. عن معنى العيد إذا جاء ولم يوقف نزف الأحلام.. عن معنى العيد إذا جاء ولم يزرع في النفس حقولاً من ورد الحب.. عن معنى العيد إذا جاء ولم ينزع أشواك الدرب.. فلا معنى أبداً للعيد إذا جاء وراح ولم يزهر بستان القلب.