نندفع خلف الحروف بكل الظمأ الذي نمارسه يوميا ونحن نجلس امام بياض الورق مذهولين يردد داخلنا: يارب كيف يمكن ان نؤثث هذا البياض اللامتناهي بقصور من الجمل والكلمات، تُعشق قبل ان تُرى، وتعشق بمجرد الرؤية، يارب امنحنا المزيد من الرغبة، والمزيد من الحب، والمزيد من الاحتمال كي نكمل بناء قصورنا اليومية. اليوم وقبل ان يأخذنا البياض إلى قاع قلبه، علينا ان نقول: لكم جميعاً ايها الاعزاء الذين احتملتم ضجيجنا، ومازلتم تحتملون تحية حب في صباح معطر بالحب والرضا، وكل عام وانتم بخير. ويا ايها الاصدقاء الذين نسكب في اعماق ارواحكم جمار افكارنا كل يوم، لن نفعل اليوم شيئاً سوى ان نرش نهاركم بالدعاء والامنيات الحميمة مرددين مع الجميع: عيدكم مبارك وعساكم من عواده. اليوم عيد، والعيد في تاريخ الانسانية ومنذ الازل فكرة ورمز، ونحن اذ نعيد فإنما نستلهم الفكرة ونسترجع الرمز ونمارس العيد من زاوية الراحة التي تحتاجها ارواحنا قبل أبداننا، الراحة التي نفتقدها كثيرا وطويلاً، ونحن نجرى خلف الطموح، ودوافع النفس واثبات الذات، والاحتماء من آفات الانسان ونوازعه الضعيفة. في العيد يضع الناس صراعاتهم جانبا، ويتنفسون الصعداء، ويمضون في تبادل التحايا والسلامات والزيارات وطلب الصفح واعلان الغفران. واتساءل: لماذا تنتعش الذاكرة في العيد، ولماذا يسارع القلب إلى نفض الغبار عن جوانبه باحثا في الزوايا منقبا ما بين العروق، عن وجوه كانت حميمة تسكن هذه الزوايا، وعن اسماء عزيزة كانت تضج في تلك العروق؟ اهي الراحة والسكينة ونسيان صراعات الخارج وضجيجه؟ ام هو سر العيد الذي يشبه جمر المواقد الخابية تحت الرماد، حتى اذا نفخت فيه البشارة بقدوم العيد تدفأت الذاكرة وزال جليدها، ورقص الموحش في المكان والنائم في الوجدان؟ واتساءل: حينما يملأ رنين هواتفنا امكنة بعيدة تناسيناها زمنا طويلا، حاملة رسالة تقول: نحييكم على البعد حيث كنتم، فاغفروا هجراننا، فنحن مازلنا اوفياء برغم البعد والجفا! فماذا ننتظر يا ترى؟ امازلنا ننتظر ردا كرد (غادة السمان): «اني اعلنت عليك الحب، اني اعلنت عليك السلام، اني اعلنت عليك الغفران؟!». ولانه مساحة حلوة، ومناسبة تهييء للغفران والصفاء، فنحن نتأمل في رد كرد (غادة السمان)، ولذلك نمضي في تدفئة جليد الذاكرة، ونمضي في ايام العيد ـ الطويلة هذه المرة ـ كما يمضي الاطفال، رمز فرحنا الابدي، في كل مكان ينشرون سعادتهم لهوا وضجيجا، يجمعون العيدية ويخبئونها لشراء المزيد من الحلوى والمزيد من الالعاب، فماذا نخبيء نحن للعمر الآتي؟ مزيداً من التذكارات من اجل المزيد من الاسئلة الكبيرة التي لا يسكت حيرتها سوى صباح مشرق كصباح العيد. فكل عام وأنتم أحبتنا.. وكل عام وعيدكم أجمل وأحلى. aishasultan@hotmail.com