في حياتنا دستور دائم لم يتغير ولم يتبدل ولم يتمزق ولم يصفر ولم يفقد صلاحيته بعد مئات السنين.. هو كتاب الف ليلة وليلة.. فكل ما فيه يفرض ارادته علينا ويخضعنا له مهما تغير الزمن.. البخور.. السحر.. الخرافة.. الجواري.. العبيد.. الغش.. الخديعة.. أحلام اليقظة التي لا تتحقق.. والتفرغ للمتعة بعيدا عن عرق الاجتهاد والعمل. وبطل هذا الدستور وواضعه ومبتكر نصوصه هو شهريار.. أكبر بلطجي عرفه التاريخ.. فهو ينام على عشرين مخدة.. ويخلع نساءه كما يخلع ثيابه.. ويفشل في إقناعهن بنفسه.. فيسارع بقتلهن بسلطانه وسيفه.. ولا ينام مستريحا ولا يهنأ له جفن إلا إذا سبح في دمائهن.. أو شرب منها حتى الثمالة. والمرأة الوحيدة التي سيطرت عليه.. وهذبته.. وقصقصت ريشه وخلعت وأجهزت على أظافره هي شهرزاد التي عاملته مثل طفل متخلف عقليا.. لا ينام إلا بعد أن يسمع حكاية قبل النوم.. أما شئون الدولة التي يحكمها فقد كانت آخر ما يشغله أو يؤرقه أو يهتم به.. فأغلب الظن أنه كان بعيدا عن شهرزاد يستهلك وقته في مراجعة كتاب مؤثر آخر في حياته وحياتنا هو كتاب رجوع الشيخ الى صباه. وقد بقيت شخصية شهريار شخصية ملهمة في حياتنا الاجتماعية وفي أعمالنا الروائية والدرامية.. فهي شخصية بألف روح وروح.. كلما أجهزنا عليها مرة دبت فيها الحياة مائة مرة.. وكلما تخلصنا منها ودفناها في القبر عادت لتطل علينا من جديد فوق سطح الأرض.. وكلما أخرجناها من تحت الجلد وتحررنا منها عادت لتخترق الدم وتعيد تركيب الخلايا التي نورثها لمن يأتي بعدنا. «سي السيد» .. الجديد لقد اختفى شهريار نجيب محفوظ ـ أو السيد أحمد عبدالجواد الشهير بسي السيد ـ من الحياة وأصبح تراثا أدبيا قرأناه في الثلاثية ثم حولناه الى سينما ومسرح وسخرية شعبية في سهرات البيوت والمقاهي ليصبح رمزا سيئا للشخصية المتناقضة بين الصرامة الخارجية والخلاعة السرية.. الخفية.. بين الشوارب التي يقف عليها الصقر والدف الذي يزف به العوالم.. على طريقة أمان يا لاللي أمان.. وأرخي الستارة إللي في ريحنا.. وغيرها من أغاني المواخير المصرة على البقاء في عصر بيتهوفن ورياض السنباطي وبليغ حمدي وعمر خيرت. لكن.. سي السيد الخالد الذي لا يموت عادة ليظهر في صورة جديدة على شاشة التليفزيون في رمضان.. عاد طيبا.. مكافحا.. بدأ حياته تحت الصفر.. أو تحت الخبز.. لا يجد قوت يومه.. ولا يجد امرأة تقبله.. كل ما هو متاح له في دنياه.. طبق فول يتناوله في الصباح على عربة متواضعة وسط حشد من الفقراء.. لكننا في زمن المعجزات في تكوين الثروات التي تهبط على البعض كمائدة من السماء.. نحن في زمن المصباح السحري.. الذي يحول المعدم الجاهل الى شهباندر التجار.. وشهريار.. وهكذا ولدت أسطورة الحاج متولي سعيد.. سي السيد القرن الجديد.. قرن الدش والانترنت والاستشعار عن بعد والأقمار الصناعية والموبايل والفيمتو ثانية. لقد كان متولي سعيد عاملا متواضعا في تجارة أقمشة رائجة.. وعندما مات صاحبها سارع متولي سعيد برمي شباكه على أرملة معلمه وتزوجها ليمتلك في لحظة واحدة الثروة والنزوة.. ولتتفتح في اللحظة نفسها عبقريته التجارية.. والجنسية.. فأين منه بيل جيتس مؤسس امبراطورية ميكروسوفت؟.. وأين منه فورد وأوناسيس وروكفلر وغيرهم من الأسماء اللامعة في دفتر تاريخ الثراء في العالم؟.. لقد طور هؤلاء الأثرياء الكبار الصناعة والبورصة والبنوك والشركات.. لكن لم يملكوا ما يملكه متولي سعيد.. الفهلوة والضحك على الذقون وإسقاط النساء في شباكه وإخضاعهن والاستفادة منهن بطريقة أو بأخرى.. فواحدة تزوجها لثروة زوجها.. والثانية تزوجها لنفوذ عائلتها.. والثالثة تزوجها ليوسع تجارته ويسيطر على سوق الأقمشة والرابعة تزوجها لتخفف عنه قسوة الضرائب.. ولكن.. عندما قرر أن يغري فتاة في عمر أولاده بالزواج منه رفضته ونبذته.. فليس بالسيارة المرسيدس يحيا الانسان.. والحب ولو كان ضعيفا في أيامنا البيضاء هذه فإنه لا يزال قادرا على الحياة. والملفت للنظر أن اللواتي تزوجنه على اختلاف ظروفهن الطبقية والنفسية والثقافية وقعوا في هواه.. واستسلمن لأوامره.. وراحوا يتبارين على إرضائه.. بل أنه جمع بينهن في بيت واحد.. وراح ـ وهو المصاب بداء المأذون - ينظم التعامل معهن في جدول صارم لا يجوز لواحدة منهن طلب الاستثناء.. ليحقق بذلك تعدد الزوجات مع العدل بينهن.. وهو العدل المستحيل حسب النص القرآني.. ولن تعدلوا.. بل إنهن يخشين أن يتزوج عليهن فيسارعن الى الدجل والخرافة.. لتكتمل المأساة الاجتماعية التي فرضها علينا جهاز التليفزيون الذي يؤكد ليل نهار بنفسه أنه أخطر جهاز اعلامي عرفه الانسان منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها. لقد حذف التليفزيون في هذا المسلسل - الذي أتقن صناعه تقديمه - المرأة من قائمة الاستقلال والتميز ووضعها في قائمة الطعام الذي يؤكل والعقارات والمنقولات التي تباع وتشترى والخراف التي تساق للذبح والأثاث الذي أكل عليه الدهر وشرب وانتهى به الحال وحيدا غاضبا مستسلما في المخازن.. بحثا عن أثاث جديد مريح.. لا يفتح فمه أيضا.. أو كأن المرأة هنا مثل السيارة - على حد تعبير الكاتبة المغربية فاطمة لمرنيسي - مثل السيارة.. يستخدمها الرجل ويتباهى بها.. لكن.. ما أن يجد سيارة أخرى أحدث وأفضل حتى يسارع بشرائها.. وربما تخلص من السيارة القديمة لو كان غير قادر.. ربما باعها مستعملة.. أو باعها قطع غيار في وكالة البلح.. وربما تحولت حياته الى معرض سيارات لو كان في ثراء الحاج متولي سعيد الذي تعامل مع زوجاته كما يتعامل شيخ القرود مع إناثه في جبلاية حديقة الحيوان. تاجر خردة إن هذه الدراما كما عبرت من قبل تصر على أن المرأة لم تعد حلما للرجل في بلادنا ولا شريكة له في الحياة ولا سندا له يرتكن اليه في وقت الشدة.. وإنما أصبحت مطية ورهينة ومزرعة يمارس فيها اقطاعه العاطفي ويمارس عليها عقده الاجتماعية والنفسية.. إنها علاقة بعيدة عن التفاهم الانساني الراقي.. فقد خضعت الى قوانين المعاينة والرهن والتسجيل والبيع والتنازل وخلو الرجل إذا ما لزم الأمر. وليس هناك محلل نفسي واحد لا يؤكد أن الرجل عندما يكون محاطا بالنساء فإنه يشعر أكثر بعجزه عن امتلاك امرأة واحدة.. وعلى حد تفسير نزار قباني فإن وفرة النساء في حياة رجل ما تجعله مثل تاجر الخردة لا يحس بتفاصيل بضاعته.. وقد تفعل امرأة واحدة في رجل ما لا تفعله الزلازل والبراكين في قشرة الكرة الأرضية.. وكما لا يمكن للرجل السوي أن يلبس عشرة قمصان على جسده فليس في وسعه أن يعرف عشر نساء معا... لأن الحرارة هنا لا تدفئ.. والذي يقول لك إنه خرج ليلة أمس مع عشرة نساء فاعرف أنه لم يخرج مع أحد.. وأنه نام وحيدا في فراشه.. ولعل تعدد النساء على هذا النحو أشبه بالزعيم النازي هتلر الذي احتل في الحرب العالمية الثانية معظم أوروبا لكنه في النهاية لم يحتل منها شيئا.. ومات وحيدا منتحرا لا يعرفون مثواه الأخير. والذين يدافعون عن فكرة التعددية الزوجية لا التعددية السياسية يستشهدون بالواقع.. فمثل هذه النماذج أصبحت سائدة.. ومثل هذه النماذج تفعل ما تفعل سرا في الخفاء.. فلماذا لا يكون ذلك في النور والعلن؟.. وهو المنطق نفسه الذي يجب أن نتعامل به مع الممنوعات والمهربات.. فما دامت المخدرات أمرا واقعا يكلفنا سنويا مليارات الجنيهات فلماذا لا نبيحها؟.. وما دام تهريب السلع والبضائع قد تجاوز الحدود فلماذا لا نعترف به ونعتبره عملا قانونيا مشروعا؟ إن وجود ظاهرة غير مرضية وعجزنا عن تفسيرها وتصحيحها وعلاجها لا يعني أن نعترف بها ونتعامل معها.. وظاهرة تعدد الزوجات أو تعدد النساء في حياة الرجل الواحد هي الوجه الآخر لتكدس الثروة في يد البعض وحرمان الغالبية منها.. فالحب مثل أي كائن حي يريد أن يأكل ويسكن ويجلس على المقهى ويقرأ الصحف ويستقر في وظيفة.. ولو لم يجد ما يعينه على ذلك مد يده وراح يتسول.. وكما أننا نطالب القادرين بالمساهمة في عمل الخير وزيادة الصدقات لمواجهة الفقر فإننا نطالبهم بأن يتزوجوا من أربع حتى يعالجوا مشكلة تكدس النساء على محطة قطار الزواج.. يعني من يملك الثروة يملك النساء.. ومن لا يملك الثروة يدخل فراشه وينام نوم العازب. والمعنى.. أننا نترك المشكلة الأصلية.. مشكلة عدم عدالة توزيع الثروة.. ومشكلة البطالة.. ومشكلة عدم قدرة الشباب على الزواج.. ومشكلة اليأس من الحب والارتباط.. ونعالج ما ترتب عليها من مشاكل ومنها مشكلة العنوسة.. إنه علاج لتخفيض درجة الحرارة.. لكن دون أن نعالج سبب الحمى.. فلا يكفي للقضاء على الفيروس المسبب للسخونة أن نغرق الجبهة في وعاء ثلج.. لقد جاءت المشكلة الأصلية من الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه.. وقد دفعت العواطف والعلاقات والمشاعر والحياة الخاصة الثمن. وهم يقولون أن هناك 4 ملايين امرأة صغيرة بلا فرصة زواج.. ولو وافقنا على منطقهم فكم واحدة منهن عندها فرصة أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة.. مليون مثلا.. طيب.. والثلاثة ملايين الأخرى ماذا يفعلن؟.. هل يغنين ظلموه؟.. ولو عالجنا مشكلة الفتيات ليتزوجن بهذه الطريقة ويصرفن للقادرين كما كان سلع مثل السكر والزيت والكيروسين تصرف على بطاقة التموين فماذا يفعل نحو 5 ملايين شاب لا يجدون فرصة الزواج.. هل نحل مشكلتهم بنفس الطريقة ونصرفهم على بطاقات النساء القادرات.. أم نبيح لهن تعدد الأزواج؟. ولو تنافس الأب والابن على زوجة واحدة فمن يكسب؟.. من يفوز بها؟.. الثروة التي يملكها الأب ويقدر على حرمان ابنه منها؟.. أم الحب الذي لا يملك الابن سواه؟.. على حد ما يطرحه مسلسل الحاج متولي.. وهو يذكرنا بالصدمة التي تعرض لها ياسين ابن أحمد عبدالجواد في ثلاثية نجيب محفوظ عندما وجد نفسه هو وأباه يسقطان في هوى امرأة واحدة.. وقد كسب الابن.. وقاطعه الأب.. وتمزقت أشلاء عائلة سي السيد.. فلماذا نصر على أن لا نعيد من التاريخ إلا أسوأه؟. عود الكبريت إن الحب هو التعويض العادل الذي منحه الله للبشر كي يسعوا في الأرض ويتحملوا رسالة الحياة.. الحب هو عناق للكون.. وعناق للإنسان.. فلا يجوز أن نحشره في ثقب إبرة.. لا يجوز أن نجعله عرضة لرسوباتنا وعقدنا.. ولو كنا قد فشلنا في تشريع قانون لمنع الاحتكار التجاري فليس أقل من الايمان بقانون الحياة الذي يمنع الاحتكار النسائي.. أو الإقطاع الزوجي.. يمنع نهب الثروات الجسدية والعاطفية للمرأة بدعوى الخوف من أن يفوتها القطار.. مع أنه لا يوجد أصلا قطار.. أو رصيف.. أو ناظر محطة. وعندما تتنازل امرأة عن انفرادها برجل واحد فإنها تنزلق الى هاوية الحريم.. وهو ما يعترف به صناع مسلسل سي متولي.. فالنماذج التي قدموها كلها نماذج خاضعة.. لا تفتح فمها بكلمة واحدة.. تسمع الأوامر وتنفذها.. لا تعترض.. ولا تملك سوى أن تأكل نفسها.. أو تأكل ضرتها.. ولا فرق هنا بين امرأة ثرية وامرأة فقيرة.. بين امرأة تخرجت من الجامعة وامرأة لا تحمل من الدنيا سوى شهادة الميلاد.. بين امرأة بلا سند أو ظهر وامرأة من عائلة لها سطوة ونفوذ.. وهذه هي الصورة الجديدة التي يريدونها للمرأة الآن.. صورتها وهي تعود من جديد الى قفص الحريم.. صورتها وهي فاقدة للنطق.. أو ممنوعة من النطق.. بموجب مرسوم أصدره الرجل. والملفت للنظر أن المرأة هي التي تقبل ذلك وتروج له.. ويبدو أننا قد وصلنا الى زمن مستعدة فيه أكثر النساء قتالا في سبيل المساواة أن تتنازل عن معركتها وتسلم الراية لأول رجل يقول لها أتزوجك على ضرة.. إن اقتسام رجل على امرأتين يعني أن كل منهما تزوجت نصف رجل.. ولا يستحق نصف رجل سوى نصف امرأة.. وأحيانا تكون القسمة على ثلاثة.. أو على أربعة.. ويا عالم. ولا يمكن القول بأن ما شاهدناه على شاشة التليفزيون هو مجرد تمثيل في تمثيل سرعان ما يمر دون تأثير.. ويا دار ما دخلك شر.. إن الدراما تتغلغل تحت جلد البشر وتغير مكونات الدم الذي يجري في عروقهم وتعيد صياغة رؤيتهم للحياة وتغير تصوراتهم للعلاقات المتشابكة المعقدة التي يجدون أنفسهم طرفا فيها.. وقد روت لي منى ذو الفقار القانونية اللامعة والشخصية البارزة في الحياة العامة أن هناك منظمة دولية مهمتها تغيير العادات الاجتماعية المعوقة للتنمية البشرية والاقتصادية عن طريق الدراما.. وقد أجرت تجارب عديدة في دول افريقية وتأكد لها أن الناس تتأثر بما تراه على شاشة التليفزيون وعلى خشبة المسرح.. وهو ما يعني خطورة ما رأيناه في مسلسلات رمضان هذا العام.. أو ما يعني أن عباقرة الدراما المنزلية جاءوا يكحلوها فأعموها.. إنهم لم يفكروا في إضاءة شمعة.. وإنما أطفأوا عود الكبريت الباقي مشتعلا بين أيدينا. ـ كاتب مصري