عشية العيد، تلبس الأرض أثواباً لا حصر لألوانها، ويغدو الفرح العفوي سيد الألوان والأشكال، كما لو أننا إزاء مشهد تتبدل معه الأحوال والأمزجة، تلفتنا فيه إرادة التفاؤل في وجدان الناس، كأنما أرادوا بذلك أخذ «هدنة» مع تعب الحياة وأزماتها التي تطوقهم من كل جانب. وإذا كان صوم رمضان طقس عبادة يقيمه المؤمنون، فإنهم حين يستقبلون عيد الفطر المبارك يواصلون طلب الشفاعة والمغفرة من خلال تواصلهم وتراحمهم وحرصهم على رضا الخالق سبحانه وتعالى، وعلى سريان المحبة في الطبائع والقلوب. فهل يكفي ان تكون لنا أعيادنا ليلتئم شملنا ونتحقق من مشاعرنا؟ وهل أصبحت هذه المناسبات الموسمية من أساسيات العيش حقا.. أم أننا لا نزال نتعامل معها كطقوس واشارات لتذكرنا فقط بأننا لا نزال أحياء على هذه البسيطة؟ والحياة وإن كانت قائمة على صراع الاضداد المتنافرة: الخير والشر، الحب والحقد، السلام والحرب، الغنى والفقر، فإنها فعل محبة يقودنا دائماً إلى الخيارات الأجمل والأكثر نقاءً في تعاملنا مع الآخرين. والعيد أيضاً فعل محبة، لكن ثمة أمور اقتحمت هذه المناسبة المباركة وسلبت منها طقوس الفرح الفطري، فطغى الجانب الاستهلاكي والتجاري ومظاهر الزينة على جوهر العيد ومعانيه! إذن، ماذا يتبقى من العيد إذا جرّدناه من جوهره الانساني، أفلا يغدو فولكلوراً تنحصر معانيه بالتسوّق واللهو، وفي توسل صناعة الفرح لأطفالنا، لكأن هذا الفرح محصور في مناسبته ليس إلا؟! والعيد فرصة للتذكّر، تذكّر من حولنا على هذه الأرض، الذين تربطنا ببعضهم وحدة المصير ومنهم من لا نعرفهم، وربما لا ينتسبون إلينا بعلاقة قربى، لكن هؤلاء جميعاً شركاؤنا في الحياة، لذا ترانا ومن دون ان ندري مشدودين إلى ما يجري من أحداث هنا وهناك تسقط فيها الأرواح البريئة على مذبح الاحتراب الذي يفتقد إلى العدالة وحقوق الانسان. ولعل من البديهي ان تحلم البشرية بأعياد يسودها السلام والطمأنينة والمحبة، لكن لو حددنا الموضوع أكثر وتناولنا العيد بكونه محطة تلاقٍ وتعارف بين الأفراد فإن المحبة هي مفتاح المعرفة وليس العلم، وهذه ليست محاولة لتهميش العلم، لأنه أولاً ما من أحد يريد ذلك، وثانياً لأن المحاولة لن تفلح حتى لو أريد لها ان تتم، فالعلم مثل الهواء إن حبسته قتلك. كذلك لا نريد أن نؤكد المحبة، فهي أكثر الصفات الانسانية قدرة على تأكيد نفسها، نريد ان نؤكد عليها فحسب، خذها قاعدة: أنت تجهل الآخر إن كرهته وفي أحايين كثيرة أنت تكرهه لأنك فقط لم تعرفه. وكل كراهية هي نتيجة اللامعرفة، وكل معرفة مآلها الحب، لكن كل معرفة وسيلتها الحب أيضاً. العيد فرصة طيبة لاختبار عواطفنا ومقدرتها على محاربة الصدأ، ومن يفوته العيد الآتي من خارجه يمكنه استدراج العيد في داخله وتحريضه، ليصهل ببريقه وألوانه. والمحبة تجدد وتمدد، وهي ميالة إلى صفتها الأولى أكثر من الثانية، هي إلى التجدد أكثر منها إلى التمدد، ويستطيع كل منا أن يقيس محبته للشيء، وما لا يتجدد في داخلك هو شيء توقف نمو محبتك له، أو يكاد، أما الذي يتجدد في داخلك فمحبتك له يانعة ومثمرة. وغالباً حين تتوقف محبتك يكون العيب فيك أنت! كنا فيما مضى نعيش في كنف المحبة والسعادة بقليل من المال وما يتيسر من الثياب، وبألعاب تصنعها أيدينا.. وفي زمننا هذا، صرنا نبحث عن الفرح لنبتاعه، لكننا كمن يبحث عن ظلال وأطياف برغم توفر عناصر الرخاء.. عشية العيد، ثمة وطن ينتظر ولادته من رحم المعاناة، وأهلوه أخوة لنا ندعو لهم وهم يتهيأون لفرحهم الخاص بكل الخير وتحقيق المرتجى. وكل عام وأنتم بخير .. وعلى الأرض السلام. Email: ismail_haidar@yahoo.com