مكرمات أصحاب السمو الشيوخ حكام الامارات التي ينتظرها المسجونون في مثل هذا الوقت من كل عام للافراج عمن قضى اكثر من نصف المدة واثبت حسن السيرة والسلوك خلال فترة تنفيذ العقوبة، لاشك انها تمثل لفتة انسانية أبوية حانية في هذا الشهر الفضيل تسعد نفوس هؤلاء ومعهم أسرهم وذووهم لاستعادة حريتهم والعودة الى دفء الاسرة التي افتقدوها بعيدا عن الاهل والاحبة في صقيع الزنزانة ووحشتها. وبالطبع فإن هذه المكرمات تحمل بين طياتها معاني سامية ونبيلة تهدف بالدرجة الاولى اعادة هذه الفئة من المجتمع التي ضلت الطريق الى جادة الصواب والتخفيف عنهم ورعايتهم حتى يعودوا اشخاصا صالحين وفاعلين في المجتمع ومنحهم فرصا اخرى للعيش الكريم ـ متخذين مما مروا به دروسا وعبرا تردعهم من الوقوع في براثن من جديد. وكما هو معلوم فإن المسجونين الذين يشملهم امر الافراج هم مزيج من المحكومين في قضايا جنائية ـ وكذلك من المحكومين في قضايا حقوقية يتحمل الحكام دفع الالتزامات المالية المترتبة على هؤلاء المساجين. ومعروف كذلك ان السجين الذي قضى سنوات من عمره خلف القضبان فقد خلالها حريته وعاش بعيدا عن الناس وعاشر في السجن اناسا من مختلف الثقافات والمعتقدات تأثر بهم وتغيرت الكثير من القيم والمفاهيم لديه سلبا او بالايجاب وساهمت بلا شك في تكوين شخصية جديدة للسجين فيخرج شخصا اخر غير الذي دخل امتلأ قلبه بالقسوة وتمكن الاحباط منه، محطما بل ناقما. يخرج سعيدا باستعادة حريته التي فقدها، لكن هذه السعادة سرعان ما تذهب مع اول مواجهة حقيقية له مع المجتمع الذي يستمر في رفضه ولا يقبل توبته وتتحطم سعادته على صخرة الرفض ونظرات الشك والريبة في اخلاقه التي تحيط به فتضيق عليه الكون الواسع بما رحب ليجد نفسه سجين نظرات ولعنات وألسنة لا ترحم ولقب خريج سجون الذي لا يفارقه مهما طال الزمن. يخرج السجين وقد عقد العزم على ان يحيا شريفا ويبدأ من جديد ويسعى للحصول على لقمته بالحلال ولكن كيف وابواب العمل في وجه هذا السجين تكون موصدة بأشد الاقفال، وكل معاملاته يكتنفها الرفض باعتباره غير لائق سلوكيا وحصوله على شهادة ترد اليه اعتباره يحتاج الى سنوات من الانتظار تنتهي حياته ولا يأتي ذلك اليوم الموعود. والنتيجة مع حالة اليأس والاحباط التي تحاصره هل يتوقع احدكم ان يتمكن هذا السجين المحطم من الصمود والصبر خاصة ان كان مسئولا من اسرة عليه تحمل نفقاتها والايفاء بالتزاماتها المادية؟. بالطبع لا بل والف لا.. والنهاية الحتمية ستكون العودة الى الخطأ ليجد نفسه من جديد في دوامة الجريمة ومواجهة جديدة مع سلطات الامن والمحاكم. هذه العودة لا نبالغ اذا قلنا ان المجتمع بأسره يكون مسئولا عنها ويتحمل وزر تبعات ما وصل اليه الحال بالسجين وقد عقد النية على الصواب الذي يكون بشكل او اخر ساهم في دفع هذا المسكين الى ما انتهى اليه. اذن فإن على جهات تنفيذ اوامر الافراج متابعة السجناء وايجاد مصادر للرزق لهم بالتعاون مع الجهات الاخرى، خاصة وان السجين يتعلم خلال مدة تنفيذ العقوبة حرفا يدوية في وسعها ان تكون «صنعة» تعينه في الكسب الشريف. بل لماذا لا يتم انشاء ورش خاصة تستوعب هؤلاء كفنيين يعملون بها؟ Email: fadheela@albayan.co.ae