مصطلح (الدول المارقة) من المصطلحات الحديثة في قاموس السياسة الدولية وعلاقاتها الخارجية، وربما كانت الولايات المتحدة من اكثر البلدان تكراراً لهذا المصطلح في الآونة الاخيرة على لسان رئيسها المستر بوش، ورجال سياستها الكبار ابتداء بالجنرال (كولن باول) ووزير الدفاع (رامسفيلد) وآخرين. والمروق، أو الدولة المارقة، تهمة خطيرة مصير أصحابها السحق والتدمير، لأنها دول معادية لكل قيم ومفاهيم ورموز الحضارة الغربية الامريكية، انها دول خارجة على القانون، كارهة للحضارة، حاقدة على الحرية، دول تحكمها انظمة تعشق القوة، لكنها حينما تمتلكها فإنها لا تسخرها للخير والبناء، بل لتهديد الحضارة وقتل الآخرين بلا رحمة، ايضاً هي الدول التي تعتبر المصدر الاول لأسلحة الدمار الشامل، التي تغذي أحقاد الارهابيين، وتسهل لهم أعمال القتل الجماعي. طبعاً فهم القارئ كفاية كما يقولون، فهو بذكائه الفذ يستطيع ان يستنتج لماذا سحقت افغانستان بلا رحمة ودمرت وجعل عاليها سافلها، لأنها ـ كما قال المستر بوش في خطابه في القلعة الخاصة بالكلية العسكرية في ولاية ساوث كارولاينا ـ دولة خارجة على القانون، تتحرك بدافع الكراهية للتقدم والحرية والثقافة والموسيقى والنساء والمسيحيين واليهود والمسلمين! واعتماداً على فهمه وفهمنا المتواضع، فإن مصطلح (الدول المارقة) يحوم كطائر الشؤم على دول عربية أخرى معدمة محطمة ببركات الترسانة الامريكية الحافظة لقيم الحضارة والتقدم وحقوق الانسان. وأول هذه الدول العراق والصومال وستكر المسبحة فيما بعد! بصراحة شديدة سيكون القارئ بلا فهم ـ عفواً ـ اذا فكر أن يتساءل: وأين اسرائيل من كل هذه التصنيفات؟ أين تضع أمريكا ارهاب اسرائيل واجرامها الذي طفح به الكيل؟ هذا السؤال لا يحب الامريكان سماعه، لأنهم لا يعترفون بمنطقيته ولا يجدون له سبباً من الأساس، فمن قال ان (اسرائيل) دولة ارهابية، ومن قال بأن ما تفعله من قتل وتدمير وسفك للدماء وهدم للبيوت واكتساح للمدن واختراق لكل المعاهدات والاعراف وقوانين الانسان، من قال بأن هذا ارهاب؟ انه دفاع مشروع عن النفس لا أكثر ولا أقل!! ومن لا يعجبه ذلك فأمامه البحر والمحيط! اما الفلسطينيون، اما حماس ومنظمة الجهاد الاسلامي، اما نساء فلسطين وأمهات فلسطين، وأطفال فلسطين وشهداء فلسطين، وعجائز فلسطين، وأرامل فلسطين، فهؤلاء هم الارهابيون، الذين يحملون في داخلهم ميراثاً من الكراهية والحقد، ضد اليهود وضد المسيحيين وضد الحضارة وضد الحرية والثقافة، هؤلاء هم القتلة الذين يجب ان توجه اليهم أسلحة اسرائيل وأمريكا لتحصدهم في الشوارع وعلى أبواب منازلهم وفي ساحات مدارسهم وفي غرف نومهم. هكذا يفكر العقل الامريكي، لأن العقل اليهودي يفكر بهذه الطريقة، ويريد لأمريكا ان تفكر كما يفكر وتقتنع بما يقتنع، ولذلك فاسرائيل هي الدولة الوحيدة غير الارهابية في الشرق الاوسط! ان مشهد الدماء على عتبات المنازل، يكاد يدفع الموتى للضجيج في قبورهم، ويستنزل غضب الرب ونقمته، لكنه على ما يبدو لا يحرك في الدماء العربية المتنزهة في شوارع العواصم العربية وقصورها شيئاً سوى متعة متابعة الاخبار والعلم بما يحدث لمجرد العلم فقط، ورفعاً لعتب الجهل بما يحصل لعرب يقال بأنهم أخوة في العقيدة والعروبة! لقد ضجت الدماء في عروق الشهداء تحت الثرى، وجمدت الدموع في مآقي الصغار والزوجات اللواتي يغادرهن الازواج صباحاً فيعودون اليهن محمولين على الأكتاف، تزغرد دماء شهادتهم بعد ان فجرتها رصاصات صهيونية حاقدة، لقد ضجت ملائكة السماء في مواكب الجنازات، لقد ضج الوهن والعجز والواهنون والعجزة، أما لهذا الليل من آخر؟ لقد مضى علينا قرن من الزمان ونحن نستقبل أعيادنا بذات الحالة التي ودعناها بها واستقبلناها كل عام... فما من عيد مر علينا إلا ولنا دماء تنزف، وحق ضائع، ومظلومون تضج بدعواتهم المعتقلات والمخيمات والسجون والطرقات والمقابر والمظاهرات، ومواكب الجنازات فبأي قلب نعيّد غداً يا ترى؟ aishasultan@hotmail.com