قديما قالوا: تظل الوردة الشذية تبث اجمل الروائح حتى لو تغير اسمها! ومن منطق تلك الوردة نقول ان الكثير من الامور الجميلة سقطت او اسقطت عمدا في زمن لاهث، كل ما فيه يركض بعكس اتجاه عقارب الساعة. تسأل هذا وذاك، وهذه وتلك، والاجابة تظل لاهثة دون جدوى، تبحث عن نفسها من بين هذا او ذاك التراكم المزري الذي تجره عربة الوقت جرا، الكل يبحث عن نفسه، وهذا حق من حقوق التطلع والتطور والترقي والاستمرارية والعطاء، لكن الكثيرين لا يجدون انفسهم، ولا حتى تلك الظلال التي تلهث خلفهم، فكلما حاولوا ان يستثمروا هذا السعي المضني نحو نقطة ما وجدوا انفسهم يعودون من حيث كانت البداية، فمنطق الاشياء الحاضرة يتكلم بلغة يكاد يجهلها اولئك الذين يسمون الاشياء بأسمائها، فالابيض قد يكون ابيض، والاسود قد يأخذ صفة اخرى او لونا اخر، وهكذا هي بقية الالوان الاخرى. فما دام الخطأ يحدث ويتكرر ويتواصل ولا يجد من يقومه، او من يقف في وجه فاعله، يصبح ذاك الخطأ مع مرور الوقت اللاهث ايا كان حجمه وشكله وفداحته يصبح امرا عاديا، ويصبح غير العادي بعد ذلك هو تقويمه. مشكلتنا الحقيقية ان الكل يلهث دون هدف حقيقي، يحاول البعض التشبث بلغة العصر وهم يجهلونها ولا يحاولون تعلمها، ويسعى اخرون خوض غمار لعبة لا يدركون عواقبها، وبين هؤلاء وهؤلاء يرتدي طرف ثالث ثوبا فضفاضا اكبر من حجمه يؤدي به الى السقوط السريع في زمن لا يعترف بالتوقف والتقاط الانفاس، بل الجري في الوقت نفسه وكل الاتجاهات حتى لا تهرب العصافير من فوق الشجرة الظليلة، فما هي النتيجة؟ النتيجة ضياع كل شيء، الاخلاق، القيم، الهدف والغنيمة. عموما تظل المقاييس من صنع البشر، فنحن من يقيس، ومن يفصل، ومن يلبس، ولكن تظل هناك معايير لذاك الثوب الذي يجب ان نرتديه علينا الا ننساها. وقديما قالوا: الانسان يتشكل في حالات ثلاث، او وجوه ثلاثة، هي: كيف يرى نفسه، وكيف يرى الاخرين، وكيف يريد ان يراه الاخرون، وفي الحالات الثلاث يظل هو طرف المعادلة. الوجه الاول للانسان هو وجه المحاسبة والمكاشفة، والرقابة الذاتية، وهو الشكل الذي لا تلطخه الاصباغ والمساحيق، ولا تبدله الاقنعة ولا تسيره اهواء الاخرين ورغباتهم، فيظل هذا الوجه صادقا، صريحا، قريبا، ودودا، وهو الوجه الحقيقي الذي يتعرى امامه الانسان وينكشف دون خوف او ضغط، وهنا يكون الانسان في اصفى وانقى واصدق حالاته لانه لا يكذب على نفسه ولا يتجمل امام وجهه الحقيقي. في الوجه الثاني تتفاوت المسألة لان رؤية الاخر ومفهوم الكيفية يختلف، فقد يكون الاخر حبيبا يدفعنا الى اسقاط هفواته وتنحيتها جانبا، وقد يكون عميلا نجامله من اجل العمل والمصلحة المشتركة، وقد يكون صديقا مقربا نفضله ونختاره بين الاصدقاء ليكون مستودعا لاسرارنا وبوحنا وهّمنا وبقايا غصتنا التي لا تفارق الحلق، وقد يكون زميلا في العمل او رفيق عمر وحياة مشتركة تكون الالفة هي مصدر التقارب او قد لا يكون كل ذلك اذ يرى البعض من الناس انهم هم العقلاء والنبلاء والكرماء واولاد الاسر والبيوت المحترمة، وانهم الافضل والاحسن على كل المستويات، بينما الاخرون مساكين لا يفهمون ولا يفقهون شيئا، ولا يعرفون حتى تدبير امورهم. وهنا تكمن مشكلة هؤلاء الذين نذروا انفسهم للوصاية على عقولنا وافكارنا وامورنا الشخصية. الوجه الثالث، او الحالة الثالثة هي حالة انا لا اكذب ولكني اتجمل، وباسم هذا التجمل تضيع الحقيقة، ويزيد الكذب ويرتسم التمظهر، وتستشري الامراض الاجتماعية، ويختلط الابيض والاسود، ويسود الرمادي وتضيع الوجوه لان الجميع يرتدي الاقنعة. ومثلنا الشعبي يقول «كل ما تشتهيه نفسك والبس ما يحبه الناس»، وهذا من باب عدم كسر التقاليد والاعراف والقيم، فالانسان خارج بيته ملك للاخرين، لذا يصبح كلامه محسوبا، ولباسه محسوبا وافعاله محسوبة، فعليه ان يراعي الاخرين في افعاله واقواله وطروحاته. ومن هنا فالوردة عليها ان تبث اجمل روائحها، والثوب عليه ان يكتمل بالمقاييس التي تتكامل فيها معاييرنا الصحيحة والقويمة التي استقيناها من تعاليم الاسلام واخلاقه العظيمة، ودروسه الدقيقة. هناك عبارة شكسبيرية تقول: «من يسرق نقودي يسرق شيئا لا قيمة له، ولكن من يسرق اسمي وسمعتي يجعلني فقيرا حقا».