يبدو ان التهديدات الاسرائيلية بتصفية الرئيس عرفات، اما جسديا او معنويا، لم تعد مجرد «تهويش» فالقرار الذي اعلنته الحكومة الاسرائيلية بقطع العلاقات مع عرفات يعني، بحكم ما تبعه من هجوم بالدبابات والمروحيات على اهداف في مدينة رام الله حيث يقيم الرئيس عرفات حاليا قريبة جدا من مقره، اعلان حرب على رئيس السلطة الفلسطينية شخصيا. ومع ظهور هذه النقلة النوعية الجديدة للوحشية الاسرائيلية يبرز تلقائيا سؤال: الى متى تظل الدول العربية تلتزم بسكوت غير بليغ؟ ان الهدف الاسرائيلي من وراء محاولة تصفية الرئيس عرفات كقائد للشعب الفلسطيني ليس واضحا تماما لكن يجب ان يكون من المفترض عربيا انه لن يكون الا هدفا شريرا. هناك احتمالان: اما ان حكومة شارون توصلت الى قناعة نهائية بأن الرئيس عرفات ومعه طاقم السلطة الفلسطينية بأكمله عاجزون او غير راغبين في الاستجابة الكاملة للطلب الاسرائيلي بالغاء وجود فصائل المقاومة الناشطة وبالتالي قررت اسرائيل ان تشمل حملاتها الحربية الجميع: فصائل المقاومة مع طاقم السلطة بمن في ذلك رئيسها نفسه، واما ان لدى شارون خطة وضعت بالتواطؤ مع عناصر قيادية في السلطة يتم بموجبها اقصاء عرفات حتى تنفرد هذه العناصر القيادية بالسلطة لتدخل مع الجانب الاسرائيلي في عملية تفاوضية جديدة بالشروط الاسرائيلية. ولان الانتفاضة الفلسطينية المسلحة هي المستهدفة اسرائيليا في كلا الحالين فان الدول العربية مواجهة بمسئولية تاريخية تجاه الشعب الفلسطيني ومساعدته في صون مقاومته وتطويرها. ومما يضاعف من هذه المسئولية التاريخية ما نراه الآن من تبلور اجماع غربي بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي على اعطاء اسرائيل ضوءا اخضر للمضي قدما في تصعيد الحرب ضد المقاومة الفلسطينية. ان قضية التحرير الفلسطيني تدخل الآن مرحلة جديدة مع التوسع الافقي والرأسي للهجمات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني بما يشبه حربا شاملة لن تتوقف قريبا ومع استمرار هذه الحرب وتصاعدها فان فصائل المقاومة الشعبية الفلسطينية ليست بحاجة الى بيانات تأييد وتصريحات اعلامية، ففي مواجهة طائرات اف ـ 16 والدبابات الاسرائيلية يحتاج مقاتلو الفصائل الفلسطينية وسائل دفاع جوي وقذائف مضادة للدروع بالاضافة الى امدادات ذخيرة للرشاشات من خلال المقاومة واستمرارها لاكثر من 14 شهرا متصلة اثبت الشعب الفلسطيني وجوده كشعب حي لا يزداد استعداده للنضال الدموي الا قوة فلا نعرف في التاريخ العربي الحديث شعبا يتنافس ابناؤه على العمل الاستشهادي كهذا الشعب. غير ان التصعيد الهجومي الاسرائيلي يتطلب تصعيدا موازيا على الجانب الاخر والنقلات النوعية تتطلب نقلات نوعية مضادة والمطلوب من الدول العربية هو ان ترتقي الى مستوى مسئوليتها القومية لمساعدة شعب شقيق على مقابلة التصعيد بالتصعيد كما ونوعا. على مستوى الحد الادنى فان المطلوب هو قطع اي علاقات عربية مع الدولة اليهودية فورا سواء على المستوى الدبلوماسي او التجاري، اما ما فوق هذا المستوى فان قائمته طويلة ابتداء من امدادات الاسلحة والذخيرة والسماح للمتطوعين العرب بالالتحاق بصفوف المقاومة الفلسطينية. لقد تخطى الشعب الفلسطيني حاجز الخوف من اسرائيل وبلغ نقطة اللاعودة وعلى الدول العربية ان تحدد موقعها في مسار التاريخ.