استخدم الغرب، تحت ريادة الولايات المتحدة الأمريكية، راية «رفض الفكر الأوحد» لإسقاط الاتحاد السوفييتي والفكر الشيوعي، وكان هذا الشعار يلح على المطالبة بإطلاق حرية التفكير والاختيار لكل شعوب العالم لتختار النظام السياسي والاقتصادي الذي يناسبها دون فرض أو جبر من جانب أي طرف، وكان مفكرو الغرب، خلال هذه المعركة التي استمرت عقودا طويلة وذهب ضحيتها الملايين من البشر خلال ما سمي بالحرب بالباردة، يتهمون الفكر «الأوحد» بأنه يقضي على الإبداع الإنساني، ويخلق بشرا مقولبا يؤدي به في النهاية إلى الاعتماد على الدولة كراع له ولتوفير احتياجاته الأساسية، وطبقا لهؤلاء المفكرين والدعاة الغربيين ومن سايرهم ينتهي هذا الفكر بالشعوب إلى «الإتكالية» وعدم الاعتماد على النفس التي تنتهي بهم في النهاية إلى الضياع. ظل الإعلام الغربي يردد تلك الشعارات بمناسبة وبغير مناسبة، ويطبل ويزمر لكل انقلاب عسكري ضد أي نظام يشتبه في خروجه على طاعة الولايات المتحدة باعتباره تلبية لاحتياجات شعب يطالب بالتخلص من الفكر الأوحد، ويقدمه على أنه نموذج للبشر الباحثين عن الحرية التي لا تكتمل إلا بممارسة الديمقراطية نظاما سياسيا، وبحرية اختيار النظام الاقتصادي المناسب لإدارة ثروات الأوطان، لكن ما أن سقط الفكر الشمولي وانتهي الاتحاد السوفييتي إلى خبر كان في التاريخ حتى انقلبت الموازين من جديد، وعاد الغرب نفسه إلى ممارسة الفكر «الشمولي» المتمثل في «الليبرالية المطلقة»، وتطبيق شعارات «السوق المفتوحة» بلا حدود تحت ما أسموه «العولمة»، ومن يحاول تطبيق الشعار الحقيقي بامتلاك حرية الاختيار للأنظمة المناسبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا أصبح منبوذا ويستحق القتال حتى آخر فرد من الشعوب المطالبة بحريتها في الاختيار الحقيقي. ازدواجية المنتفعين تطبيقا للمعايير المزدوجة بين ما يصب في المصالح الغربية وما لا يصب في صالحها حتى لو كان اختيارا شعبيا عاما تحت راية الديمقراطية الغربية نفسها وتطبيقها لقواعدها قررت الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية نفسها التدخل في شئون أي بلد يحاول الاستقلال في قراره بعيدا عن الهيمنة، وعادت إلى التدخل السافر الذي كانت تمارسه من قبل عبر أجهزة مخابراتها السرية خلال الحرب الباردة، ولكن هذه المرة تحت ادعاءات أخرى تحاول من خلالها تمويه أهدافها الحقيقية. آخر نموذج للحرب الجديدة التي تمارسها الديمقراطية الغربية ضد «المارقين» يتم الإعداد لها ضد فنزويلا، حيث شاهد العالم عبر وسائل الإعلام الغربية الإضراب العام الذي قاده رجال الأعمال الاثنين الماضي ضد قوانين الإصلاح الزراعي التي أصدرها الرئيس «هوجو تشابث»، المنتخب ديمقراطيا، قبل عامين، بنسبة تزيد على 60 في المائة من مجموع أصوات الناخبين، والتي يحاول تطبيقها في بلاده للخروج من أزمة الفقر المزمن الموروث عن نظام ثنائي الحزبية موال للغرب وللولايات المتحدة بشكل عام خلال أكثر من أربعة عقود، ساد خلالها الفساد حتى عم البلاد، وأضاع ما يزيد على 350 مليار دولار من دخل فنزويلا من البترول، انتهت جميعها إلى حسابات سرية خاصة للمسئولين في العديد من البنوك الأمريكية والسويسرية. خلال ذلك الإضراب شارك الإعلام الغربي «المحايد» في تشويه الحقائق، وتمويه الهدف من الإضراب عبر الحديث عن دعم الرئيس الفنزويلي لما تسميه الولايات المتحدة «دعم الإرهاب» تطبيقا لشعار الرئيس جورج بوش الابن: «من ليس معي فهو ضدي»، لأن الرئيس هوجو تشابث رفض دعم أي عمل عسكري ضد أي شعب من الشعوب لمجرد الشك في وجود إرهابيين على أرضه، ولم تغفر له رده على الحملة الأمريكية على أفغانستان: «العنف لا يجب مواجهته بالعنف، بل يجب البحث عن الأسباب الحقيقية وراء ممارسة البعض لهذا العنف». وبدلا من الحديث عن القوانين الخاصة بالإصلاح الزراعي في بلد لا يزيد عدد سكانه عن 36 مليون نسمه ويمتلك 24 مليون هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة، ولا يجد ما يكفي حاجته من الأغذية لأن بعض الأفراد يمتلك الواحد منهم ما يزيد على 11 ألف هكتار يستخدمونها لممارسة هوايات الصيد بدلا من إنتاج مواد أساسية لسد حاجة البلاد، نجد أن وسائل الإعلام الغربية والموالية للفكر «الشمولي الجديد» تولي وجهها بعيدا عن الحقيقة، وتتحدث عن ماضي الرئيس الذي قاد في الماضي محاولة انقلاب عسكري ضد النظام الحزبي الفاسد، وتتهمه بالتدخل في الملكيات الخاصة، وتصم تلك القوانين بأنها تهديد لحرية الملكية الخاصة، أو نكوص عن تطبيق السوق المفتوحة، وتنذر بكارثة. وبدلا من الحديث عن حقيقة الإرث الذي وجده هوجو تشابث عندما قبل قواعد النظام السياسي نفسه، ونجح في الحصول على ثقة الغالبية العظمى من شعبه ليحكم البلاد طبقا لتلك القواعد، لا بسبب برنامجه السياسي والاقتصادي بقدر ما يرجع نجاحه إلى يأس الشعب من السياسيين التقليديين، نجدها تتحدث عن فساد الإدارة في البلاد، وهو فساد موروث عن حكام سابقين وسنوات طويلة من حكم «ديمقراطي»، ولا يمكن القضاء عليه بين ليلة وضحاها. قلب الحقائق وبدلا من الحديث عن الأطباء والمهندسين الزراعيين وخبراء السياحة الكوبيين الذين يحاولون مساعدة الشعب الفنزويلي في إقامة نظام صحي عام غير مكلف، وتحقيق أكبر عائد ممكن من الأراضي الزراعية، وتدريب الفنزويليين على إقامة وإدارة مؤسسات اقتصادية سياحية مقابل أجور زهيدة بعد رفض كل الأنظمة الديمقراطية الغربية، سواء من جانب الولايات المتحدة الأمريكية أو من جانب بعض دول الاتحاد الأوروبي المتقدمة، ولا حتى من جانب المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة لإعانة فنزويلا على مواجهة العجز الفني والتقني في هذه المجالات، نجدهم يتحدثون عن علاقات يصفونها بأنها «مشبوهة» مع النظام الكوبي باعتباره نظاما «مارقا» من وجهة النظر الأمريكية. بل أن وسائل الإعلام الغربية تنتقد الرئيس الفنزويلي لأنه يريد أن يطبق قوانين تطبقها الدول التي تنطلق منها تلك الدعايات، وكأن ما يصلح في أوروبا والولايات المتحدة لا يصلح في فنزويلا، فنجد صحفا أمريكية وأوروبية تنتقد قوانين مثل تلك القوانين الصادرة بهدف حماية الشواطئ الفنزويلية من تعدي بعض المؤسسات السياحية التي تريد احتكار الشواطئ وكأنها من الأملاك الخاصة، بينما هذه القوانين مطبقة في الدول الأوروبية نفسها تحت شعار «الشواطئ للجميع». يمكن لأي متابع خلال هذه الحملة الغريبة التوقيت، أن يكتشف بسهولة أن وسائل الإعلام الغربية تخلت عن حيادها، ولا تتعامل مع ما يحدث في فنزويلا بموضوعية، فتردد مقولات رجال الأعمال المناهضة لكل هذه القوانين وكأنها تشكل ملخص الرأي العام في تلك القوانين، دون أن تقدم وجهات النظر الأخرى المقابلة التي تؤمن بها الطبقة العريضة المسحوقة خلال عقود طويلة، والتي وجدت في الرئيس هوجو تشابث أول سياسي يحاول إقامة بعض العدالة في توزيع ثروة البلاد. بالطبع يمكن لأي متابع لمسيرة الرئيس الفنزويلي أن ينتقد بعض ممارساته، وبشكل خاص تلك التي يحاول فيها استخدام وسائل الإعلام الحكومية في بلاده للترويج لأفكاره وحرمان القوى المعارضة من التوجه إلى الجماهير بالحرية نفسها، لكن في الوقت نفسه ليس من الصعب التوصل إلى من يقف وراء ممارسات بعض القوى السياسية والاجتماعية التي فقدت هيمنتها في الشارع السياسي وتحاول أن تفسد أي محاولة للإصلاح الاقتصادي في البلاد. بل يمكن التوصل بسهولة إلى القوى التي يهمها زعزعة استقرار فنزويلا، فقد دأبت العديد من وسائل الإعلام الغربية والأمريكية خلال الأسابيع الماضية على الحديث عن علاقات «مشبوهة» للرئيس هوجو تشابث بأنظمة لا ترضى عنها الولايات المتحدة مثل ليبيا والعراق، ولا تغفر له نجاحه خلال رئاسة بلاده لمنظمة «الأوبك» في الحصول على دعم الدول العربية المصدرة للبترول لخفض الإنتاج والحفاظ على سعر مقبول لا يؤثر على مصالح تلك الدول. بل أعلنت بعض الدوائر الأمريكية دون مواربة أن تولي الفنزويلي «علي رودريجيث» المنصب الأهم في منظمة الدول المصدرة للبترول مسألة غير مقبولة، لأنها ترى في هذا المنصب دعما للتوجه الفنزويلي في الاستقلال بالقرار في إدارة الثروات الوطنية، وتشجيع للعديد من الدول الأعضاء في المنظمة في السير في هذا الاتجاه. السؤال المطروح على الساحة السياسية الآن: هل تواصل الولايات المتحدة ضد الرئيس هوجو تشابث السياسة التي مارستها ضد الرئيس التشيلي سلفادور الليندي والتي انتهت بالانقلاب الدموي الذي قاده الجنرال بينوتشيه عام 1973؟ ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا