قبل ألف عام فر ابو الطيب المتنبي من مصر، لم يكن يتمنى ان يكون عيده في بلاط حاكمها كافور، فاختار ان يكون هروبه ليلة العيد. حمل حسامه وركب خيله وغادر مع رفيقه يغطيهما نوم المدينة وظلام الليل. لا شيء معه من المتاع، فالاخشيدي لم يف بوعده، لم يمنحه الامارة التي تاقت لها نفسه وتغرب عمره كله من اجل الوصول اليها، وكان معه بخيلا، شحيح المال والعطايا، لا يشبه في كرمه أميرا مثل سيف الدولة الحمداني، ابدا لم يكن مثله في البذل والسخاء والاخلاق والفروسية، ذلك بطل احبه المتنبي من قلبه، وهذا حاكم دفعته الحاجة والاماني للتقرب من مجلسه ومدحه. مدحه المتنبي في قصائد مبطنة، لكنه مسح هذا المجد الذي رسمه له وعنه بأشعاره في هجائياته المرة، وليس مثل لسان المتنبي قوة وسلطانا في كل احواله، اذا رضي او سخط، اذا احب أو كره. في رحلة هروب ليلة العيد، قال المتنبي واحدة من قصائده الخالدة حفظها الدهر وتغنت بها الازمنة في المناسبات كلما اقبل العيد، تردد القلوب: عيد بأية حال عدت ياعيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد اما الاحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيدا دونها بيد يقف بعضهم هنا عند اول بيتين منها، وبعضهم يسترسل فيها مرددا الحكم والصور الجمالية التي حملتها، وروح المتنبي الوهاجة الحالمة والمحبطة، الراغبة والمكسورة في جموحها وامانيها: لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بها وجناء حرف ولا جرداء قيود لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي شيئا تتيمه عين ولا جيد ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها اني بما انا باك منه محسود امسيت اروح مثرٍ خازنا ويداً انا الغني واموالي المواعيد وفي بقية ابياتها لغة الهجاء التي فاضت بها نفس المتنبي الناقمة على كافور مثل ابياته: لا تشتر العبد الا والعصا معه، وشطر نامت نواطير مصر عن ثعالبها، وجوعان يأكل من زاد ويمسكني .. هذه القصيدة مثل قصائد المتنبي الشهيرة والخالدة، تأثر بها كثير من الشعراء، فأرسلوا قصائد على وزنها او من وحيها او مشاطرة لها. من هؤلاء الشعراء الذين ولعوا بهذه القصيدة، الشاعر فهد العسكر الذي انشد قصيدة يخمس فيها رائعة المتنبي، يقول مطلع قصيدة فهد العسكر: ياعيد عدت فأين الروض والعود وا لهف نفسي واين الراح والغيد؟ بل أين احباب قلبي والمواعيد عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى ام لامر فيك تجديد وفي العيد له قصيدة اخرى يحملها هذا الشاعر الكويتي البائس ما فيه من اشجان واحزان، يقول فيها: ذكرى اثارت غافي الاحزان اشجاك يوم العيد ما اشجاني شجن ممض صارخ وكآبة خرساء يا للبؤس والحرمان ومن الشعراء الذين مر عليهم العيد لم يطعموا فيه الفرح، ولم يجد عندهم غير لغة الاحزان والذكرى، يبرز ابو فراس الحمداني، يمر عليه طيف العيد وهو اسير بعيد عن وطنه وناسه، فأرسل واحدة من رومياته، يبكي فيها بشموخ، نفسه المقيدة وفرحة العيد التي لم تقترب منها: يا عيد ماعدت بمحبوب على معنّى القلب مكروب يا عيد قد عدت على ناظر عن كل حسن فيك محجوب يا وحشة الدار التي ربها اصبح في اثواب مربوب قد طلع العيد على اهله بوجه لا حسن ولا طيب ما لي وللدهر واحداثه لقد رماني بالاعاجيب ومن الاشعار الخالدة التي ولدها العيد في نفوس شعراء حرمتهم اللحظة التي كانوا فيها من الفرحة به تأتي قصيدة عذبة حزينة من هناك، من اجمل بلاد حكمناها وضيعناها كانت وستظل حسرة وغصة في قلوب كل من شاهد ارضها وجمالها، وكل من قرأ التاريخ، وعرف حضارة العرب المسلمين فيها، انها الاندلس هذه الرائعة ارسلها اشهر شعرائها ابن زيدون صاحب «ولادة» وكان وقتها خلف قضبان السجن، فتذكر قلبه واهله ولواعجه، فأرسل يهنئهم ويذكرهم: هل تذكرون غريبا عاده شجن من ذكركم وجفا اجفانه الوسن يخفي لواعجه والشوق يفضحه فقد تساوى لديه السر والعلن يا ويلتاه ايبقى في جوانحه فؤاده وهو بالاطلال مرتهن ان كان عادكم عيد فرب فتى بالشوق قد عاده من ذكركم حزن وعن العيد في ثوب آخر، عيد المحب العاشق وماذا يهدي ملاكه في هذا اليوم، صرخت حنجرة الفنان الراحل ناظم الغزالي تغني وتردد واحدة من اجمل الاغاني عن ذكرى العيد ولهفة المحب، والتي نظمها الشاعر ايليا ابو ماضي: اي شيء في العيد اهدى اليك يا ملاكي وكل شيء لديك؟ اسوارا ام دملجا من نضار لا احب القيود في معصميك ام خمورا وليس في الأرض خمر كالتي تسكبين من لحظيك ام ورودا والورد اجمله عندي الذي قد نشقت من خديك ام عقيقا كمهجتي يتلظى والعقيق الثمين في شفتيك ليس عندي شيء اعز من الروح وروحي مرهونة في يديك غدا او بعد غد العيد، تعود الايام تبقى الصور والذكريات، وما يأتي به العيد وكيف يسكن في قلوبنا، بالمناسبة كيف حال قلوبنا فيه، في هذا الزمن، في هذه الايام؟ عساكم من عواده وكل عام وانتم بخير.