حزمة الاعمال الدرامية التي تقدمها محطاتنا الفضائية العربية لا حصر لها، وهي لكثرتها ينطبق عليها مثل جداتنا القائل (ما أكثرها وما أقل بركتها)، ولكثرتها أيضاً وتفرقها على شاشات عديدة، فإن متابعتها كلها تعتبر من الأمور العسيرة، أولا لأن الوقت لا يتسع لذلك، وثانياً لان اغلبها لا يستحق المتابعة إما لرداءتها وإما لتكرار مواضيعها، وبرغم كل ذلك تبقى هناك أعمال تشكل بصمة واضحة وعلامة فارقة في كل هذا السيل المنهمر عبر قنواتنا الموقرة! يشذ عن كل القنوات قناة «الجزيرة» بطبيعة الحال والتي مازالت تشكل اعلى نسبة مشاهدة في العالم العربي برغم عدم وجود أي مسلسل عربي فيها، فهذه اكتفت بدورها الاخباري التوثيقي، فاعتمدها المشاهد العربي قناة تواصل مع احداث السياسة ومسلسلاتها الدرامية الفظيعة، ما يعني ان المشاهد العربي صار شديد الانتقائية لما يشاهد، وشديد الحرص لما يتابع، وشديد الانتقاد لما يعرض، وهو ليس كما يتصوره مسئولو الفضائيات (حيوان تلفزيوني) يلقف ما يأفكون، ويرفع يديه شاكراً لأفضالهم عليه وتوفيرهم لكل ما يسليه ويضيع وقته ويزيده تفاهة وسطحية واستلاباً وسلبية!! ايضاً والحق يقال فإن من ضمن الحزمة التي تعرض وتثير اهتمام الكثيرين وتشكل محور احاديثهم وكتابات البعض، يأتي العمل الدرامي الرائع (ذي قار) ليشكل عملاً تلفزيونياً ناجحاً بكل المقاييس، انتاجا ونصاً وحواراً وتمثيلاً واخراجاً، وقبل ذلك كله ينبثق التألق منذ بدايات العرض حينما يقرر القائمون عليه بأنه اسقاط التاريخ على حقائق اليوم حيث من ظلمات العجز العربي والسقوط امام نفوذ الاكاسرة والروم قديماً، بزغ فجر عربي جديد في (ذي قار) تلك المعركة التي انهت سقوط العرب وانهيارهم وتفتت شأنهم أمام اعدائهم الذين أمعنوا في اذلالهم واستغلالهم معتمدين على ضعفهم وفرقتهم وتقاتلهم وتكالبهم على مصالحهم! (ذي قار) عمل تلفزيوني انتاج قطري، يعرضه تلفزيون أبوظبي في وقت مشاهدة جيد بالنسبة لكثير من العائلات ويجتذب شرائح مختلفة من الكبار والصغار والشباب، ما يعني نجاحه في التغلغل إلى اهتمامات كل هؤلاء، بلغة سهلة وبحوار سلس ومحبب، وبوجوه اجادت اداء ادوارها بحرفية عالية جداً، وبخاصة (نورمان أسعد، اسعد فضة، زهير النوباني وغيرهم). وبلا شك فإن حبكة العمل الذي تسير كل الاحداث باتجاهه، والذي جعله المخرج والكاتب في آخر حلقتين هو لب القضية كلها (المعركة الحاسمة بين الفرس والعرب)، وهذا ما يشغل بال أمة بأكملها اليوم تعيش بؤس الاعتقال والارتهان لمقولات الاخر وتنظيراته وأفعاله المستفزة التي تهدر الباقي من العزة والكبرياء والكرامة العربية، وتصادر الباقي من الحقوق والحريات، بتهمة الارهاب، وحجة الخروج على الطاعة والتمرد على ارادة القوى العظمى، تماماً كما جهز (كسرى) منذ (15) قرناً جيشاً لا مثيل له لمحاربة قبيلة صغيرة لا شأن ولا قوة لها في قلب صحراء العرب لأنها تحدت ارادته فاستحقت غضبه.. ولكن! العمل رائع بكل المقاييس ويستحق جدلاً وتحليلاً ونقاشاً في الفكرة والمضمون والاجتهاد، وبدائل المواجهة، وابعاد الاسقاط التاريخي وحقيقته، ومقدرته على مقاربة الواقع الحالي في ظل الظرف الدولي والتدهور الحاصل في الحالة العربية التي لم تشهد تقهقراً كالذي تعيشه هذه الايام. يبقى في المسلسل لفتة تستحق الاشارة لدخولها في سياق الاسقاط التاريخي الناجح الذي تأسست عليه فكرة العمل واقصد به ذلك الدور الصارخ الذي قامت به الشاعرتان بنت هانيء شيخ بني شيبان، وبنت النعْمان بن المنذر، لإثارة الهمم وايقاظ النخوة، واشعال الدم العربي الذي كاد يتجمد امام سطوة كسرى وسطوة الشهوات والمصالح، والدور يشير إلى موقف الشاعر والمثقف امام مفاصل الاحداث الكبرى، كما يشير الى دور المرأة في صناعة الأحداث، برغم اختلاف الأهداف، ذلك ان التاريخ العربي صنعته المرأة كما صنعه الرجل وبذات الدم العربي العزيز. aishasultan@hotmail.com