ما من شك، أن أي اجتماع قد يعقد ،من قبل المنظمات الإقليمية العربية أو الإسلامية في ظل هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها الأمتان العربية والإسلامية، من أجل القضية الفلسطينية،إنما يعبر عن روح عالية من المسئولية التاريخية، التي تستوجبها هذه القضية، وما تملأه من حجم في فراغ هذه الأمة. بل أكثر من ذلك، وبعيداً عن المغالاة في الرؤى السياسية المرتكزة إلى قيم ومرجعيات أيديولوجية، لا بد من الاعتراف، أو التوضيح، أن ما حمله البيان الختامي من توجهات ونوايا ومطالب، يدلل على أن الدول الإسلامية باتت تستشعر بكل جدية الخطر الداهم، ليس على مستقبل قضية فلسطين وشعبها فحسب، بل وعلى مستقبل الشعوب العربية والإسلامية بدون استثناء، في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، القائمة على التنافس وحصد المكاسب بكل أنواعها السياسية والاقتصادية.. الخ. كما أنها ومن حسن الحظ قد توصلت على ما يبدو، الى أن اسرائيل ومشاريعها ليست وقفاً على فلسطين والدول المحيطة بها جغرافياً (دول الطوق) ، بل تتعدى ذلك لتصل إلى ما يسمى بمشروع شرق أوسطي، قادر على المنافسة، لانه يشكل بكل جدية رأس السهم المنطلق من القاعدة المتقدمة والثابتة في آن معاً، والذي يحاول البعض مما يؤسف في بعض الأحيان التقليل من هذه الحقيقة الخطيرة، انطلاقاً من مقولة المبالغة في التقييم، والإحساس بالغبن الذي يدفع البعض من إطلاق العنان للشعارات والمقولات الثأرية. بصرف النظر عن الدخول في التفاصيل، التي قد نختلف أو نتفق حولها، يمكننا القول ،أن البيان الختامي السلس هذه المرة المترافق مع بعض المرونة فيما بين الكلمات والبنود المدرجة ، على الرغم مما زفته بعض وسائل الإعلام لنا بوجود تباين ببعض وجهات النظر، يؤكد على حرص واع أكثر من ذي قبل، والسبب في ذلك أنه وضح المطالب الإسلامية والعربية والفلسطينية، بلا أدنى لبس سياسي يذكر. فعلى الرغم من أن غالبية البنود المدرجة كانت قد أقرت في مؤتمرات عربية واسلامية سابقة، إلا أن المرحلة التي أقرت فيها تلك البنود كانت تختلف كل الاختلاف ،عن هذه المرحلة التي نعيش،أي أن توحد المكان، لا يعني تطابق الزمان على الإطلاق، فأمريكا والغرب قبل 11 سبتمبر غير أمريكا بعد هذا التاريخ، وما كان ينطبق في علم الاجتماع السياسي في تلك الحقبة، لا ينطبق على الواقع المعاش راهناً. ولعل المثل الصارخ على ذلك، هي تلك الممارسات الإسرائيلية، التي تمارس ضد الفلسطينيين وسلطتهم الوطنية في داخل فلسطين، بحيث ما كان خطاً أحمر ، أصبح خطاً متداخلاً يحمل كل الألوان والتأويلات، بل أكثر من ذلك كل الاحتمالات المفتوحة على المجهول المظلم، ولو كان الأمر غير ذلك، مالذي دفع شارون وحكومته ومؤسسته العسكرية إلى التفكير في خلق بدائل فلسطينية، بالترافق مع الصمت الأمريكي وبعض الأوروبي، هذا الأيام ،بينما كانت السلطة فيما مضى حداً سياسياً محرماً يمنع الاقتراب منه، أو المساس به؟! اذن حري بنا القول، أن شيئاً أفضل من لا شيء، وان التأكيد في البيان الختامي على إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، ورفض الاستيطان، وتهويد القدس، والعودة إلى طاولة التفاوض للبدء من النقطة التي انتهت إليها المفاوضات،والتأكيد على عودة اللاجئين، يعتبر هذه الأيام السقف السياسي، قياساً بالوضع الدولي المنحاز لإسرائيل ليس على المستوى الإعلامي فحسب،كما يحاول البعض تضليل القضية وإلباسها لباساً غير لباسها، بل وعلى المستوى السياسي ،البادي للعيان أيضاً. حتى مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية، بترجمة الأقوال التي صدرت عن رئيسها ووزير خارجيتها، إلى أفعال، والتوافق على استخدام الضغط الدبلوماسي على الدول الأوروبية وروسيا وغيرها، يعبر بكل تأكيد؛ بالإضافة إلى الخذلان الذي تعيشه الأمة الإسلامية، عن وقفة جادة إزاء الخطر القادم من الغرب، وأن مثل هذه المطالب، تأتي خطوة جادة بالاتجاه الصحيح، بمعزل عما نطمح إليه كشعوب، وما نحلم به بالقادم من الأيام التي طال انتظارها، فرح وأمل وتوجس وخوف ثم أمل. أما من الجانب الفلسطيني، فعلينا أن ننصف الأخ والصديق، وأن نتخلى حتى ونحن نعيش أحلك الظروف وأكثرها صعوبة ومرارة، عن كلمة «يا وحدنا»، التي أصبحت مرثية نعيد تكرارها في كل لحظة نحس بالغبن، وأن ندرك، أن نزف الفلسطيني لم يكن إكراهاً لنا من هذا الأخ والصديق، بل قناعة منا بأن من يدافع عن وطن حر كريم، لا بد له من دفع الضريبة، أو إذا أبى لتعب أو قصر نفس ،فليعط غيره الراية ليكمل المشوار الطويل، مع المعرفة المسبقة بأن المشوار لن يتوقف عند انسحاب هنا وانسحاب هناك من قبل القوات الإسرائيلية. لمجرد النوايا الطيبة، التي رضي بها المؤتمرون، في إدراج غالبية النقاط ،التي حملها الطرف الفلسطيني إلى اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية في جعبته، علينا اعتبار ذلك، ليس خطوة هذه المرة بالاتجاه الصحيح، بقدر ما هو انتصار من الأخ والصديق إلى الحق دونما إكراه على ذلك، فالتوافق ، أو ما يسميه البعض الإعلامي بالتسوية المرضية للجميع، جاءت بلا أدنى شك، تلبية ليس للرغبة ، بل للمطلب السياسي الفلسطيني، وهذا الأمر يصب بكل تأكيد في الحرص على إنجاح ما جاء ممثلون الأمة من أجله، والذي يتمثل بالانتصار لفلسطين وقضيتها أرضاً وشعباً. لكن بموازاة كل الأعذار التي أسديت للجانب العربي والإسلامي،بات مطالباً بعد أن رضي بالوقوف مع أبناء جلدته، وبعد أن توصل إلى تشكيل لجنة متابعة، انطلاقاً من قناعته المطلقة باختلال المعايير الدولية، العمل الجاد من أجل نقل هذه المظالم إلى كل المحافل الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والصين، من أجل حملها على اتخاذ مواقف سياسية متوازنة ومنصفة، أقرتها كل الشرائع والقوانين الدولية، ومن الواجب أن تتذكر هذه اللجنة أنها لم تنطلق من البور، بل تحمل الكثير الكثير من القرارات الدولية، بداية من قرار التقسيم 181وقرار حق عودة اللاجئين 194 الذي يؤكد على عودتهم إلى ديارهم التي طردوا منها. بالإضافة إلى قراري مجلس الأمن 242و338 اللذين ينصا على انسحاب اسرائيل من كل الأراضي المحتلة عام 1967 دون قيد أو شرط، وأن من يمتلك مثل هذه الأسلحة الحادة، عليه أن يستخدمها باعتبارها رأسمال لا يعوض، وأنها تعتبر مفاعيل دولية قوية لا تحمل أي لبس أو التباس، ودون ذلك فالطوفان قادم. لكن السؤال الذي غالباً ما نكرره ، هل ستستخدم لجنة المتابعة الوزارية الأسلحة الحادة؟ أم أنها ستتوقف عند أول لقاء مع وزير الخارجية الأمريكية ، لتعود بعد ذلك تحمل القوى الفلسطينية مسئولية ما يجري في فلسطين؟ ـ كاتب فلسطيني