تمر الحالة الفلسطينية الان بعنق زجاجة ليست الاولى في تاريخ القضية الفلسطينية. فمن المعروف ان سياسة شارون تسعى لتقويض الوضع الفلسطيني ومن المعروف ايضا ان ساسة حماس والجهاد الاسلامي يسعيان لاحراج السلطة الفلسطينية واضعافها من خلال الاستمرار في العمليات الاستشهادية. بمعنى اخر في هذه المرحلة يبدو ان المواجهة بين اسرائيل ومشروعها التوسعي من جهة وبين حماس والجهاد الاسلامي ومشروعهما الموسع ايضا، بدأت تحاصر السلطة الفلسطينية وتخرجها من الملعب السياسي وفي هذا خطر كبير على نواة الدولة الفلسطينية وعلى امكانية قيامها في المرحلة المقبلة، وفي هذا فتح للباب واسعا لضربة اسرائيلية كبيرة قد تعيد الامال الفلسطينية الى الوراء. ان التحدي الاكبر الذي يواجه الفلسطينيين في هذه المرحلة هو ذلك المرتبط بمقدرتهم السياسية والكفاحية على مواجهة هذا التحدي المرتبط بالعنف الاسرائيلي من جهة والمرتبط بضبط وقيعة وتحركات وردود فعل الجهاد الاسلامي وحركة حماس من جهة اخرى، ان مقدرة السلطة الفلسطينية على موازنة هذا الوضع الصعب والسير على طريق شائك يقوم على وجود سلطة فلسطينية واحدة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي سوف يكون المفصل الذي يقرر ان كانت ستبقى السلطة الفلسطينية في الميزان ام ان الوضع سوف يدخل في مرحلة حالكة وصعبة تفتح من خلالها كل الاحتمالات التي لن تكون لصالح القضية الفلسطينية. ويبحث رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون عن المساندة الدولية وعلى الاخص الامريكية في محاولته اثبات بان الرئيس عرفات لم يعد شريكا في عملية السلام وذلك بسبب عدم مقدرته منع عمليات حماس والجهاد الاسلامي بل يسعى شارون من خلال تكثيف سياسة الاغتيالات التي تمت في الاسبوعين الاخيرين والى تشجيع عمليات استشهادية كبيرة وردود فعل فلسطينية تساعده على تسويق سياسته العدوانية امريكيا ودوليا بمعنى اخر تصب العمليات الاستشهادية لصالح سياسة شارون، وتصب عمليات الاغتيال للناشطين الفلسطينيين من قبل اسرائيل لصالح سياسة شارون، وتصب كل سياسة تصعيدية الان في مايسعى اليه شارون، في الجوهر يسعى شارون لاعادة الوضع الى ما كان عليه قبل اتفاق اوسلو، ويرى بان التخلص من عرفات رئيس السلطة هو المدخل لكل هذا. والجدير بالانتباه بان الوضع الدولي بالتحديد هو الان عنصر مساعد للتوجهات الاسرائيلية فالوضع الدولي من خلال الحرب الامريكية على الارهاب يعيد رسم الخارطة السياسية للمنطقة واصبح هذا النمط من العمليات الاستشهادية محل تساؤل دولي وضغط معاكس بمعنى اخر لقد تغيرت المرحلة ولم تعد تجري رياحها بالاتجاه ذاته الذي كانت تسير به قبل الحادي عشر من سبتمبر. لقد تغير الوضع وحققت من خلاله اسرائيل مكاسب سياسية تساهم في تخفيف عزلتها الدولية وتساهم في تقوية موقعها في الساحة الامريكية. وبينما توقع عدد من المحللين ان تكون احدى نتائج الحادي عشر من سبتمبر تراجعا للعلاقة الاسرائيلية الامريكية وتساؤل امريكي تجاه اثر القضية الفلسطينية على الارهاب الذي يستهدف امريكيين الا ان التحرك الاسرائيلي السريع والذي ركز على العاصمة الامريكية وعلى الولايات المتحدة نجح مرحليا على الاقل في التقليل من قيمة هذا التساؤل بمعنى آخر يرى شارون ان الظروف الآن ليست مواتية للعرب وهي ليست مواتية للفلسطينيين وان استغلاله للفرصة قد يسمح له بتنفيذ مشاريعه. لهذا بالتحديد تحركت اكثر من دولة عربية بهدوء باتجاه السلطة الفلسطينية في الايام الاخيرة مطالبة اياها بضرورة ضبطها للموقف وذلك خوفا من نتائج سلبية تترك اثارها على الوضع العربي برمته، وقد عبرت كل من الاردن ومصر والمملكة العربية السعودية عن توجهات تصب في هذا الاتجاه بل جاءت تصريحات الامير تركي الفيصل في المملكة العربية السعودية في سياق خاص اذ قال: ان الوضع تجاوز حد اللوم، وانه آن الاوان للتوقف .. بل ان صور الاشلاء في كل مكان تجعلك مريضا، فمن هو شارون او عرفات ليسبب كل منهما لشعبه هذه الالام؟ ان لب الموضوع الان هو في مقدرة رئيس السلطة الفلسطينية من خلال الضغط والتشدد ومن خلال التفاهم والتحاور على ايصال حركة حماس والجهاد الاسلامي باجتياح مناطق السلطة الفلسطينية. بمعنى آخر ان لم تنجح السلطة في التحكم بالقرار العسكري فلن تتحكم او تنجح في استثمار القرار السياسي فاما السير نحو قيام دولة مستقلة، واما السير نحو سلسلة من التراجعات الدموية التي تعيد الوضع الى الوراء. بين الممكن سياسيا وبني الاسوأ عسكريا تقع المعادلة الجديدة التي تتطلب الكثير من الافعال المدروسة. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت