في يوم 28 نوفمبر الماضي، عقد في العاصمة الامريكية واشنطن مؤتمر لم تسلط عليه اضواء كثيرة كاشفة وخاصة في ضوء المتابعة الاعلامية، السوبر ـ مكثفة التي تغطي اخبار المعارك التي كانت تدور في جبال وفيافي افغانستان.. ولم يكن يخطف منها البريق بين حين وحين سوى اخبار الحرب الارهابية بحق التي اعلنتها العسكرية الصهيونية في اسرائيل على ابناء الشعب العربي الفلسطيني في مخيماته وفي مدنه وقراه وسائر ارضه المحتلة. مؤتمر في واشنطن ربما لم يهتم بمتابعة انباء مؤتمر واشنطن المعقود في اواخر نوفمبر سوى نفر ـ نحن من بينهم ـ من المهتمين بأمور النفط من ناحية وبأحوال عالمنا العربي والشرق الاوسط والعالم الثالث من ناحية اخرى. دارت وقائع المؤتمر حول قضية جوهرية تحمل العنوان التالي: ـ تعزيز واستغلال مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة «القابلة للتجدد». وزيرة الداخلية ـ لماذا؟ ولاضفاء الاهمية على تلك الوقائع فقد حضر المؤتمر السيدة جيل نورتون وزيرة الشئون الداخلية في ادارة الرئيس بوش «مازال مراقبون كثيرون يتساءلون عن عدم حضور وزير الطاقة الامريكي وربما كان مشغولا وقتها للاعداد لزيارة قام بها مع اوائل ديسمبر الحالي الى روسيا في اطار دور امريكي مازال غامض الابعاد في الحوار الذي كان متوتراً بين منظمة الاوبك وبين روسيا بوصفها اكبر منتجي النفط من غير اعضاء المنظمة النفطية العتيدة. والمهم ان جاء المؤتمر الامريكي بمثابة اول استجابة من نوعها ازاء التوجيه الرئاسي الصادر عن البيت الابيض في ربيع العام الحالي والذي اكدته تصريحات وأوامر تنفيذية اخرى للرئيس بوش شخصيا في اطار «حزمة السياسات» المتعلقة بترشيد استخدام الطاقة وخاصة مصدرها القابلة للتجدد بمعنى غير المعرضة للنفاد او النضوب وفي هذا السياق قال الرئيس بوش: ـ ان الامل معقود على ان يأتي يوم تصبح فيه المصادر المتجددة هي المورد الرئيسي للطاقة في امريكا. ولأن هذه المصادر الموصوفة بالتجدد موجودة حكما في مظان شتى وفي مواقع متعددة من جغرافية البلاد.. فلم يعد امرها مقتصرا ـ مثلا ـ على مصادر الوقود الاحفورية المستخرجة من باطن الارض او من اعماق البحر كالنفط او الغاز الطبيعي.. ومن ثم فلم يكن امرها مقصورا على مسئولية وزارة النفط في امريكا بل اصبح امرها يتعدى كي يشمل ايضا مسئولية وزارة الداخلية في حكومة واشنطن حيث من المعروف انها تنفرد ربما بين دول العالم وحكوماتها بأن لها وزيراً ليس مسئولا مثل باقي عباد الله من وزراء داخلية المعمورة عن امور الضبط والربط او امور القبض والاعتقال او الترخيص الامني او التوقيف.. كل هذه الامور هي في امريكا من اختصاص المؤسسة الامنية الاتحادية العاتية التابعة لوزارة العدل ومن ثم للمدعي العام والمعروفة طبعا باسم مكتب التحقيقات «او المباحث» الفيدرالي. ان وزيرة الداخلية في حكومة واشنطن الراهنة مسئولة عن امور الغابات والمساحات الخضراء وحالة السواحل والشواطيء والمصايد والحدائق الوطنية والمتنزهات العامة وما الى ذلك.. ومن ثم فقد عهدت اليها اوامرالرئيس بوش بالمشاركة مع وزارة الطاقة في المسئولية عن تعزيز استكشاف واستغلال مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة وفي مقدمتها طاقة الشمس والرياح والطاقة الحرارية الارضية. لهذا ضم المؤتمر المذكور عدداً من العلماء الباحثين ومن منظمي المشاريع الطموحين الى افتتاح مؤسسات رائدة ـ دكاكين كما تصفها الكاتبة الامريكية كاترين سيلي (نيويورك تايمز)، عدد 29/11/2001) للعمل في هذه المجالات (ضوء الشمس وهبوب الرياح). ولهذا قالت وزيرة الداخلية، السيدة نورتون في افتتاح المؤتمر: ان مهمتنا المشتركة بسيطة ونبيلة في آن واحد: علينا ان نستكشف الطريق والوسائل التي تتيح لنا سيطرة افضل على ضوء الشمس ورياح السماء وموارد البرية وحرارة الارض من اجل ان تكفل امن الطاقة للعائلات الامريكية. وبصرف النظر عن بلاغة مثل هذه المناشدات العاطفية فما زال الخبراء الامريكيون يربطون بين شعار امن الطاقة وبين ضرورة ترشيد استخدام مصادرها المتاحة حاليا وخاصة من النفط الذي ما برح الخبراء يعددنه موضوعيا ارخص وأكفأ هذه المصادر حتى الآن. الحل في السيارات في هذا الموضوع يكتب روبرت كينيدي الابن وهو مستشار قانوني يعمل في مجال الطاقة قائلا ان مشكلة امريكا تتمثل عنده في ان النسبة 40 في المئة من كميات النفط التي تستخدمها توجه نحو تزويد الشاحنات الخفيفة وسيارات الركوب بما تحتاجه من كميات البترول ومن ثم فان الحل في رأيه ليس انفاق المليارات وعقد الامال غير العملية بالنسبة لمصادر الطاقة المتجددة بين ضوء الشمس وعصف الريح وسخونة القشرة الارضية بل الحل العملي والممكن في الاجل القصير هو الاستثمار في زيادة الكفاءة لمحركات السيارات بحيث تصبح اكثر توفيرا او ترشيدا في استخدام كميات البترول اللازمة لتشغيلها وذلك امر يقول المحامي الامريكي لن ينال لا من حجم المركبة ولا من رفاهيتها ولا من قدرتها على اداء المهام المطلوبة منها. في الموضوع نفسه تكتب باحثة مختصة اخرى هي السيدة «جوانا اندروود» لنقول ان استهلاك قطاع النقل الامريكي للنفط زاد في عام 1999 بنسبة 43 في المئة بعد ان ازداد حجم الاسطول الذي تملكه الولايات المتحدة ـ قومياً ـ من المركبات، الشاحنات والسيارات العادية والحافلات وما في حكمها ليشمل 217 مليون وحدة ركوب او شحن لدرجة ان قطاع النقل في امريكا اصبح بمثابة وحش كاسر او مارد جشع نهم باستمرار لا يروي ظمأه سوى انهار من البترول وهو ما نجمت عنه حقيقة بسيطة وخطيرة تقول: امريكا لا تمثل سوى 5 في المئة من مجموع سكان العالم، ورغم ذلك فانها تستهلك اكثر من نسبة 25 في المئة من مجموع الناتج العالمي من النفط (وخاصة في قطاع النقل). .. ونسبة التلوث ايضاً والذي لم تقله الباحثة ان امريكا مسئولة بالتالي عن اكثر من 25 في المئة من نسبة تلوث الكرة الارضية وخاصة بالاكاسيد الكربونية الضارة بعافية البشر وصحة الحيوان والنبات وهي ناجمة بدورها عن الانبعاثات المخلفة من عوادم ذلك الكم المهول من حيث استهلاك المحروقات (امريكا مسئولة بدورها عن امتلاك وتشغيل ثلث المركبات ـ العربات في العالم كله). ونحسب ان منتجي النفط في الشرق الاوسط وفي غيره سوف يحمدون كل الجهود الرامية سواء الى استكشاف مصادر جديدة ومتجددة للطاقة، او الى التوصل الى استخدامات اكفأ لكمياتها، وذلك من منطلق اهمية الحفاظ على الثروات الطبيعية الكامنة في باطن الارض او في عمق البحر واهمية ترشيد استخراج واستغلال وتسويق هذه الثروات لقيمة الحاضر ولصالح اجيال المستقبل. وبديهي اننا نصدر اساساً عن ثقافة وعقيدة تراعي التوسط في السلوك وتحض على الرشد والقصد في التعامل مع ما وهبه الله سبحانه للبشر من طاقات (موارد وامكانيات..)، وليس من شك في ان اهل الشرق الاوسط وغيرهم سوف يفيدون من المحركات الاكثر كفاءة في استخدام الطاقة ومن دعوات الترشيد والتعقيل والتوفير التي ما برحت ترتفع شعاراتها في الادبيات الامريكية وخاصة في المرحلة الراهنة (حتى ولو حملت لبعض هذه الدعوات اصداء سياسية كان يقول اصحابها مثلاً: ارجوكم ان تفطمونا بعيداً عن النفط المستورد من خارج الحدود.. الخ. رأس المال النفطي ان احتياطيات النفط مهما كانت سخية في جوف الارض، الا انها تشكل في التحليل الاخير جزءاً من رأس المال القومي الذي ينبغي ان يصان بداهة من مغبة التبديد او السرف او الاهدار. واذا كان المستهلكون كما نتابع كتاباتهم ودعواتهم في امريكا لا يسكتون عن الدعوة الى مصادر اكفأ وموتورات اكثر اقتصادا ومنهم من يعمل الى الكف عن انتاج سيارات الدفع الرباعي الرياضية الشكل (اس. يو . في ) او الى تعديل ماكيناتها وصولا الى مزيد من التوفير في استخدام الطاقة فلا شك ان مستهلكي مثل هذه الانواع وغيرها من ابناء العالم الثالث سوف يقيدون بدورهم من مثل هذه الدعوات في حال انجازها سواء على مستوى الدخل الفردي او الاقتصادي القومي وفي كل حال فان المهم امامنا هو متابة مايجري على ساحة الطاقة من حوارات وما يطرح في مضمارها من افكار ودعوات. ملاحظات النقاد وفيما يتعلق بالمؤتمر الذي اشرنا اليه في صدد هذا الحديث فان نقادا كثيرين ومختصين ايضا نعوا عليه انه لم يكد يحقق انجازا له قيمة وربما جاء تظاهرة شكلية من جانب حكومة الحزب الجمهوري التي تدعي انها تحبذ استكشاف المصادر الجديدة والمتجددة بمعنى غير النفطية او غير الاحفورية فيما هي في واقع الامر، وكما تضيف الكاتبة كاثرين سيلي التي احلنا اليها لا تزال تحبذ اللجوء الى مصادر الطاقة الاحفورية الاستخراجية في مقدمتها طبعا النفط والفحم، والناقدون يعززون رأيهم هذا من واقع الاحصاءات التي يسوقونها وتفيد بأن حكومة بوش سعت اصلا الى تخفيض بنسبة 50 في المئة من الاعتمادات المرصودة لاغراض البحث والتطوير في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة وانها تؤيد في الوقت نفسه كفالة اعفاءات ضريبية بحجم يصل الى 34 مليار دولار لكي توجه لصالح دوائر معينة سوف تفيد منها وسوف تستمتع بها وهذه الدوائر موجودة بالذات في مضمار النفط والفحم والغاز وصناعات الطاقة النووية ... والبركة طبعا في قوة اللوبي الذي يعمل لصالح كل من تلك الصناعات التي لا ينطبق على اي منها وصف الطاقة الجديدة ولا المتجددة. ليس معنى هذا ان المصادر الجديدة والمتجددة محرومة من آليات اللوبي التي تدعو لها وتروج لتعزيزها وتشجيعها لقد ضم مؤتمر الثامن والعشرين من نوفمبر ممثلين عن كل لوبي يرتبط بمصالح موارد الطاقة المستخرجة او المأمول استخراجها بكميات اقتصادية طبعا من ضوء الشمس او حرارة الارض و مد وجزر البحر او هبوب الرياح وضم ايضا دعاة الحفاظ على البيئة ومناهضي الانبعاثات الكربونية الناجمة عن عمليات الاختراق الداخلي في موتورات وماكينات التشغيل لكن الذي مازال يلفت الاهتمام هو ماكشف عنه المؤتمر المذكور من اشتداد ساعد الدعوة الى استخدام الهيدروجين كمصدر للطاقة يصفه مؤيدوه بانه متجدد من ناحية وخال من اخطار التلوث من ناحية اخرى. حول مستقبل الهيدروجين في هذا المضمار كان معهد وورلد ووتشن المعني باحوال كوكب الارض ومكانه وبهيئته قد اصدرت منذ اشهر قليلة دراسة مهمة في سلسلة الاوراق البحثية التي تصدرها هذه المؤسسة المرموقة عدد اغسطس 2001 بعنوان يمكن ترجمته على النحو التالي: «مستقبلات الهيدروجين» او فلنقل: للهيدروجين اكثر من مستقبل نحو نظام مستدام للطاقة. ويؤكد المؤلف الاستاذ سث دون الزميل الباحث في المعهد بانه قد حان الآوان لوضع طاقة الهيدروجين في بؤرة اهتمام الدوائر المعنية بشئون الطاقة على مستوى العالم وخاصة في ضوء الحوار الدائر حول مشاكل تلوث الهواء الحضري وامن الطاقة وتغيرات المناخ وذلك باعتبار الهيدروجين في رأيه اكثر وابسط العناصر شيوعا في الكون، فضلا عما تحقق من تقدم تقني في مجال خلايا الطاقة التي تستخدمه والتي اصبحت مرشحة لكي تحل محل البطاريات المستخدمة في مجالات شتى مابين الآلات الالكترونية المحمولة الى محطات توليد الكهرباء الى آلات الاحتراق الداخلي التي يتم بها تشغيل المركبات. في هذا الاطار تحبذ الكاتبة جوانا اندروول (جريدة اريث تايمز) المعنية بشئون البيئة العالمية عدد 8/11/2001 التوسع باستخدام الغاز الطبيعي التي تصفه بانه اقل تلوثا عن النفط بنسبة 90 في المئة لانه يتكون بشكل يكاد كاملا من الهيدروجين. الدعوة اذن موجهة الى العالم كي يدخل كما تقول الباحثة حقبة الهيدروجين او يعتمد كما يقول الاستاذ سث دون «اقتصاديات الهيدروجين». وسواء اخذ العالم بهذا الرأي او ذاك فالفيصل هنا هو ان يمتلك العالم القدرة على ترشيد استخدامه لمصادر الطاقة المتاحة لديه وفي مقدمتها طبعا النفط، وان يحفظ توازن البيئة التي تسود الكرة الارضية وان تتاح له ـ لشعوبه وجماهيره ـ مصادر للطاقة اكثر تعددا وايسر منالا وارخص اسعاراً واقرب الى تحقيق مصالح المنتجين والمستهلكين على السواء. ـ كاتب سياسي مصري