للحادي عشر من ديسمبر هذا العام وقع خاص، وحفاوة مختلفة، فهو يصادف عيد ميلاد أديبنا العالمي نجيب محفوظ الذي ولد في الحادي عشر من ديسمبر سنة 1911، وكان مولده خيرا وبركة على الأدب العربي بوجه عام وعلى فن القصة بوجه خاص، فنجيب محفوظ علامة ضخمة حاسمة في تاريخنا الثقافي، لا يقل أهمية عن الاهرامات أو أبي الهول، فانجازاته الابداعية استثنائية من حيث الكم أو الكيف، انجازات مبدع ظل يخلص لعمله الابداعي على امتداد ستين عاما أو أكثر، ولا يرى لنفسه حضورا الا في كتابة القصة القصيرة أو الرواية متنقلا من المرحلة التاريخية التي استوعب فيها التاريخ الفرعوني الى المرحلة الاجتماعية التي استكشف فيها مشكلات الطبقة الوسطى المصرية، في كل تجلياتها وصراعاتها وتناقضاتها، ولم يفارق هذه الطبقة الا بعد أن كتب رائعته الخالدة - الثلاثية (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية). وتوقف بعد الثلاثية، لا ليلتقط أنفاسه، وانما ليعيد تأمل المجتمع المصري من حوله، ويراقب متغيراته بعد قيام ثورة يوليو سنة 1952 التي أطاحت بالمجتمع الذي نقده في روايات (السراب) و(زقاق المدق) و(خان الخليلي) و(بداية ونهاية) و(القاهرة الجديدة) وانتهى تأمله بعد سنوات أفضت الى فضاء كتابي جديد، هو الفضاء الكوني لتاريخ البشرية التي رمز الى مسعاها الدائم نحو الحرية والعدل بعالم (الحارة) الذي يعرفه فكانت (أولاد حارتنا) التي أقامت الدنيا ولم تقعدها الى اليوم. وسرعان ما انطلق من (أولاد حارتنا) الى مرحلته الفلسفية أو الرمزية، وهي المرحلة التي ظلت ممتدة لم يقطعها الا ليقتنص من تقنيات الكتابة وتيارات الابداع العالمي ما يعينه على تجسيد تحولات واقعه المتسارع الخطى نحو كارثة العام السابع والستين التي قادته الى تصوير عالم عبثي قي قصص من عينة (تحت المظلة). ولم يغادر نجيب محفوظ العبث القائم لعالم ما بعد السابع والستين الا ليدخل عوالم لم يتوقف عن المضي فيها لوضع كل شيء موضع المسألة: التراث، الماضي، الحاضر، احتمالات المستقبل، الزعامات التي كانت والتي يمكن ان تكون، تحولات النماذج البشرية، تقلبات الزمن الذي يتربص بالانسان، الثنائيات التي ظلت متوترة متناقضة بلا حل حاسم يرفع ما بينها من تناقض، خصوصا ثنائية الدين والعلم التي احرقت ابطال نجيب محفوظ بلهيبها، لكن كتابته ظلت في كل احوالها باحثة عن نوع من التوسط الذي ينفي حدية التطرف وينفر منها. ولا يوازي نفور كتابة نجيب محفوظ من الحدية على مستوى المضامين سوى تجنبها الحدية الموازية على مستوى التقنية، ولذلك ظلت هذه الكتابة محافظة على سماتها العقلانية حتى في مجالات افادتها من تقنيات العبث في أعمال من مثل (خمارة القط الأسود) 1968 أو (تحت المظلة) 1967 أو (حكاية بلا بداية ولا نهاية) 1977 أو غيرها، فهي كتابة منطلقها الاستطيقي رؤية الجمال في النظام، والكشف عن النظام في الفوضى، وذلك بهدف دفع القارئ الى البحث عن معنى للعبث الذي يراه في هذا المجال الاجتماعي أو ذاك المجال السياسي، ومن ثم البحث عن علة الفوضى التي اصبحت ضاربة في المشهد المجنون الذي شاهدناه جميعا - من (تحت المظلة) - في عالم هزيمة ما بعد السابع والستين، والذي نشاهد بعض تجلياته هذه الايام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي. ومن المؤكد ان عقلانية كتابة نجيب محفوظ هي المسئولة عن حواراته الذهنية التي اتخذت قالبا مسرحيا، وعن قصصه الأليجورية التي تفرض نفسها على القارئ كاللغز الذي يبحث عن حل، بل عن مقطعاته الصغيرة التي لا يزال ينشرها في مجلة (نصف الدنيا) مؤكدا قدراته الاستثنائية على صياغة الرمز المكثف والتمثيل المكتنز. وأضيف الى علامات عقلانيته حرصه على تفاصيل البناء مهما دقت أو صغرت، ابتداء من دلالة اسماء الشخصيات وانتهاء موازيا دالا على تحولات رؤية نجيب محفوظ التي ظلت محافظة على عناصرها الثابتة. وربما كانت هذه العقلانية هي المجلى الابداعي للميسم الشخصي للالتزام بالكتابة في شخصية نجيب محفوظ، فصرامتها هي الوجه الآخر من صرامة الكاتب الذي يحافظ على مواعيد الكتابة ولا يخرج قط عن الخطة التي وضعها لنفسه، أو الجدول الذي يسير عليه، ابتداء من أوقات تدخين السيجارة الى أوقات ممارسة فعل الكتابة المنتظم كدقات الساعة التي لا تقدم ولا تؤخر، والظهر كالمخبر في هذا السياق، من حيث الاخلاص الذي لا نظير له لفن الرواية والغناء فيها، والايمان بأن هذا الفن يستحق عمرا بأكمله، عمرا يعيشه كاتب لم يهتم قط بمنصب، أو جاه، أو حتى شهرة، أو جائزة عالمية، وظل مخلصا لعمله الكتابي كالمتصوف الذي ينفي في مسعاه الروحي مهما طال به الطريق، ومهما تعددت بوارق الرحلة، فالمهم عنده استمرار الرحلة والمضي في الطريق الذي يغدو غاية في نفسه. ترى هل كان نجيب محفوظ يستطيع ان يبدع كل هذا العدد الرهيب من الروايات ومجموعات القصص القصيرة لولا الانضباط الصارم، والعقلانية الأشد؟ ان أية مقارنة بسيطة بينه وبين أي كاتب من معاصريه، عربا أو غير عرب، تكشف من الدرجة الاستثنائية من الثراء الكمي والكيفي في الاعمال. وهاآنذا استرجع الصفوف التي تحتلها كتابات نجيب محفوظ في مكتبتي فلا أجد كاتبا آخر يحتل هذه المساحة، ولا أجد كاتبا موازيا في الابداع العربي له كل هذا العدد من الروائع التي تمتد منذ الثلاثينيات الى اخر اعماله التي صدرت منذ أعوام قليلة، بل الى آخر ابداعاته التي ينتزعها من الزمن، مؤكدا باستمراره في الكتابة ان الابداع حياة، ومقاومة للعدم، وانتزاع الحضور الدائم المتجدد من قبضة النسيان، وانتصار بالكلمة حتى على الموت والعقلانية - في هذا السياق - ليست انضباطا في الكتابة فحسب، بل هي - فضلا عن ذلك - نظرة الى الوجود، انتزاع للمعنى من اللامعنى، وفرض للنظام على الفوضى، وللخلود على كل ماهو الى زوال، ولا يمكن ان تحقق هذه العقلانية ما حققته الا بالحب العظيم الذي يستخف بكل شيء ماعدا المحبوب، وهو فن الرواية الذي ظل الفن الأول والهدف الأول في حياة نجيب محفوظ. هذا الاخلاص لفن الرواية كان ارهاصا بزمنها في زمن لم يكن يهيمن فيه سوى الشعر، ولا يحتل فيه المكانة الكبرى سوى الشعراء، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يواجه نجيب محفوظ، حين كان كاتبا شابا، الكاتب العملاق عباس محمود العقاد، حين أصدر الثاني كتابه (في بيتي) الذي أظهر استهانة بفن الرواية، فتصدى الكاتب الشاب لنظرة الكاتب العملاق التقليدية، ورأى فيها تعبيرا عن زمن قديم انتهى، وتقاليد انطوت مع متغيرات الزمن الحديث، وفي مقابل النظرة الجامدة التقليدية للكاتب العملاق، يكتب الكاتب الشاب - في عدد مجلة (الرسالة) القاهرية الصادر في الثالث من سبتمبر سنة 1945 - بشارة الزمن الآتي للرواية قائلا: (لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر: عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتما لفن جديد، يوفق على قدر الطاقة بين شغف الانسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم الى الخيال. وقد وجه العصر بغيته في القصة، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار، فليس لأنه أرقى من حيث الزمن، ولكنه لأنه تنقصه بعض العناصر التي تجعله موائما للعصر، فالقصة على هذا الرأى هي شعر الدنيا الحديثة).