عندما قرأت رواية زقاق المدق أول مرة، أدركت أنني عثرت على كنز لا يفنى، فهذه رواية مصرية بكل تأكيد، وكاتبها مصري ليس بشهادة الميلاد فقط ولكنه مصري بخفقات قلبه وقطرات دم كبده، بمزاجه وسلوكه وأسلوب معيشته، بأسلافه الذين عاشوا في شوارع القاهرة، وناموا في حواريها واشتغلوا بصناعتها وتجارتها، وذاقوا العسف والذل على يد مماليكها، وحاربوا في صفوف حرافيشها،وكان بعض أدباء فترة الأربعينات وفترة الخمسينات يكتبون باللغة العربية ولكن بمزاج أوروبي كتب أحدهم يقول (وكان الوقت ربيعا أشاع الدفء في قلبي. وعندما هبت نسمات الشمال علينا تمنيت لو انقلبت إلى عصفور يطير ويرفرف فوق ضفاف النيل) مع أن الربيع ليس أجمل فصول السنة في مصر والرياح التي تهب من الشمال في فصل الربيع ليست من النوع الذي يحرك القلوب للحب ولكنها أعاصير يسمونها رياح الخماسين، وهي عبارة عن موجات عفار وغبار وتراب يعمي العيون ويسد الخياشيم، هذا النوع من الربيع الذي يتحدث عنه بعض أدباء مصر، هو تربية باريس وجنيف وإيطاليا، والربيع في تلك البلاد يقلب الحياة رأسا على عقب، الأشجار القرعاء تزدهر بالأوراق الخضراء، ولكن في مصر تظل الأشجار مزدهرة ومحتفظة بلونها الأخضر، وهناك حقيقة يعرفها المصريون هو أن فصل الخريف هو أحسن فصول السنة وأفضلها مع أن الخريف في أوروبا هو بداية الصقيع وفصل تساقط أوراق الشجر نجيب محفوظ هو الأديب الذي نقل مصر الحقيقية على الورق،ونفخ الروح في الأشخاص الذين انتزعهم من أرض الواقع، لم يكذب ولم يتجمل ولم يشعر بالضيق أو الضجر وهو يواصل الكتابة طوال هذه السنين، ولم يخطئ مرة في اختيار طريقة في أن تمضى شخوصه في طريقهم بمواصفات مصرية وبتفكير مصري وبفلسفة نابعة من تراب الأرض التي يعيشون عليها . إنها فلسفة شعبية تجلت في أولاد حارتنا عندما القي نظرة على بداية الكون ونشأة الخلق، ولذلك كانت ضربة معلم موفقة من لجنة جائزة نوبل عندما اختارت نجيب محفوظ كمندوب شرعي عن الأدب المصري في متحف تاريخ الأدب العالمي. ولكن بعض الأدباء مصريين وعربا، هبوا يعارضون اختيار محفوظ وأكدوا أن محفوظ لم ينل الجائزة تقديرا لأدبه، إنما جائزة له لعلاقته بالعدو الصهيوني ولاعترافه باتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل ولا حاجة لي إلى القول بأن هذا الكلام مجرد هذيان، كما أنه موقف عيب ولا يليق والدليل على ذلك أن محفوظ نفسه لم يأبه له ولم يرد عليه. بل استمر في طريقه يكتب ويؤلف كراهب في دير الأدب وعندما قمت بزيارة نجيب محفوظ في المستشفى بعد الاعتداء عليه، نهض الاستاذ من فراشه، فقلت له وأنا أصافحه يا عم نجيب بلاش دلع وقوم أكتب لنا تاني علشان تعلمنا وتمتعنا ونظر إلى الاستاذ ورد على قائلا أنا خلاص يا محمود والبركة في الشباب اللي زيك بقي وكان الشاب الذي يخاطبه نجيب محفوظ الذي هو العبد لله قد بلغ الخامسة والستين !! واعتبرت قوله نكته لأن نجيب محفوظ أثبت أنه شاب حتى يومنا هذا. لم يتكسب بكلمته مع احتفاظه بالمستوى الأدبي الذي وصل إليه في عنفوانه أذكر أنه في عام 1955 صدر كتاب في الثقافة المصرية اشترك في كتابته الكاتبان الكبيران محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، وفي الكتاب فصل عن نجيب محفوظ كان كاتبه هو الدكتور عبد العظيم أنيس، وكأنه شاب في عنفوانه وفي هذا الفصل نقد شديد لنجيب محفوظ جاء فيه أنه كاتب وسطي باعتبار أنه هو شخص من أبناء الطبقة الوسطي، وأغلب أبطاله من هذه الطبقة ومن الطبقة الوسطى ومن الطبقة الوسطى الصغيرة، ويرى رؤاها ويجد حلولا تناسبها وفلسفة تتفق معها، ولكنه لم يهتم بالطبقة العاملة، ولم يكلف نفسه بالغوص في مشاكلها. ولم يكن هذا القول صحيحا فنجيب محفوظ قاهري أمضى طفولته وصباه وشبابه في حي العباسية وحي الجمالية، وكتب عن شخصيات رآها وعرفها وكتب في رواياته عن أبطال ربما عاشوا حياة أتعس من حياة العمال واشقى من حياة الفلاحين ولكنه الشباب ومشاكل العصر الذي صدر فيه هذا الكتاب وقد اسعدني كثيرا ما قاله الاستاذ الكبير محمود أمين العالم في عدد جريدة القاهرة الأخيرة بأنه لم يكن متفقا مع الدكتور أنيس فيما ذهب إليه في نقد أدب محفوظ. تحية للعم نجيب محفوظ في عيد ميلاده التسعين وأسأل المولى القدير أن يمد لنا في حياته، وتحية الأستاذ العالم والدكتور أنيس ولكل من بذل جهدا في إثراء حياتنا الأدبية وأسمع صوتنا للعالم كله والناس نوعان بعضهم كالقمح وبعضهم كالذهب والأدباء من النوع الأخير. دي كليرك إسرائيلي بالرغم من مناظر الهم والغم وما أكثرها في أفغانستان وفي فلسطين شاهدت صورة واحدة تفتح النفس وتشرح القلب، هي صورة عدد من السياسيين الإسرائيليين يلتقون مع عدد آخر من السياسيين العرب. عند أحد الحواجز المقامة بين الأرض الخاضعة للسلطة الفلسطينية وأرض إسرائيل والمشكلة الفلسطينية لن تحل إلا على يد عدد من عقلاء إسرائيل الذين يعارضون نهج شارون وحكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها، وهناك عدد من العقلاء الإسرائيليين لايمكن تجاهلها، مثل الوزير السابق بيلين والوزير السابق بن عامي ولنذكر جميعا أن مشكلة جنوب أفريقيا لم تجد حلا إلا بصمود رجل أسطوري وتاريخي هو نلسون مانديلا، وعقلاء من بيض جنوب أفريقيا كالرئيس دي كليرك والمطلوب الآن هو وجود دي كليرك إسرائيلي يستطيع أن يصل بالسلام إلى ميناء هادئ والأكيد الآن أن شارون ليس من ورائه أي خير، وليس هناك أي أمل في حل بسبب تفكيره وأسلوب ونظرته العنصرية إلى الفلسطينيين ولكن بيلين وبن عامي من السياسيين المختلفين عن السياسيين الإسرائيليين القدامى والعبد لله لا يعرف الطريقة التي تأتي ببيلين أو بن عامي أو أمثالهما إلى السلطة في تل أبيب ولكن فوز بورج على وزير الحربية الإسرائيلي في انتخابات حزب العمل الأخيرة يعطي شعاع ضوء من الأمل في حل القضية الفلسطينية بشكل يلبي مطالب كل الأطراف أما شارون وأتباعه فلا أمل فيهم ولا خير!.