جون ووكر هذا هو اسم ذلك الشاب الامريكي الذي ظهر اسيراً على شاشات التلفزيون في كل انحاء العالم، انه الامريكي أسير الامريكيين انه احد الشهود على مجزرة «قلعة جانجي» التي راح ضحيتها ما يزيد على الاربعمئة عربي مسلم والعالم يتفرج على مجزرة العصر. والسؤال ليس هنا، السؤال عن الذي اخرج هذا الشاب من وطنه المتحضر الجميل الى هذه البقعة المتخلفة من العالم، من الغنى الى الفقر، لاشك ان هناك امراً عظيما حدث لهذا الشاب المنعم حتى اخرجه من عالمه الى عالم آخر والجواب هو دينه. دينه الذي اخرجه من كل ذلك الى كل هذا وبغض النظر عن مدى اتفاقنا وخلافنا مع مفاهيمه عن الدين التي تلقاها عن بعض المسلمين الذين استهوته آراؤهم ومفاهيمهم فقادته الى هذه المرحلة من مراحل حياته إلا ان اللافت للنظر بقاؤه وتمسكه بولائه لمفاهيمه تلك رغم اسره واحتمال تعرضه للسجن الطويل بتهمة الخيانة العظمى لبلده امريكا او ربما حتى لاعدامه. انه الايمان بما اعتنقه من وجهات نظر في الاسلام وايمانه بذلك ايماناً لا يبالي معه حتى بالموت. العجيب الغريب ان في بلاد الاسلام من الشباب الكثير ممن هم في بلاد الاسلام غثاء كغثاء السيل ينتسبون للاسلام اسما ويتنصلون منه فعلاً، هائمون على وجوههم وراء صرعات الشرق والغرب، فما الذي اخرج هؤلاء عن اوامر دينهم ونواهيه وادخلهم في عماية التقليد للغرب حتى اضحوا بلا هوية، كلهم يشبهون النموذج الامريكي في لباسه واكله وكلامه وتصرفاته، لاشك انه التفريط من هذه المجتمعات المسلمة التي ما عادت تؤكد على نموذجها الاسلامي بل التي ما عاد لها نموذجها الاسلامي المتحضر، وذلك لمّا لم يعد لها خصوصيتها التي تفرض هويتها الاسلامية في حياتها العامة والخاصة إلا فيما قل وندر. والخصوصية والهوية الاسلامية لا تتأتى من مقولاتٍ فارغةٍ ودعاوى جوفاءَ ترفع الاسلام شعاراً وتَحطه عملاً وفعلاً. ان الهوية الاسلامية لابد لها من شواهد وتطبيقات قبل ان تكون نظريات فارغة، فالنظرية دون تطبيق وهم كبير، كلنا يؤمن او يدّعى انه يؤمن بالاسلام ومبادئه ويأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه ولكن الناظر الى تطبيقات هذا الايمان يجدها قليلة لا تتعدى في كثير من المجتمعات الاسلامية السماح برفع الاذان في المساجد وبجانب ذلك تجد البلاد الاسلامية تعج بكل ما هو مناقض مخالف للنموذج الاسلامي الحقيقي وبكل ما يمثل النموذج الغربي. الغريب ان بعض مجتمعاتنا الاسلامية العربية وغيرها حين كانت فقيرة مستعمرة كانت في اخلاقها وسلوكها اقرب الى النموذج الاسلامي العربي الملتزم بأخلاق الاسلام ونواهيه وأوامره، وكانت تسعى بكل ما اوتيت من قوة الى اقتلاع المستعمر الغربي وآثاره الثقافية والدينية ثم لما استقلت صارت تسعى جاهدة الى نبذ قديم اخلاقها ومظاهرها الاسلامية والاحتذاء بالنموذج الغربي في مجتمعاتها طلباً للالتحاق بركب الحداثة وبذلك نجح المستعمر الغربي في الخروج من بلاد الاسلام وترابه ليدخل في نفوس المسلمين وعقولهم وهذا استعمار جديد لا يمكن اقتلاعه ولا تغييره إلا بتغيير النفوس وذلك امر صعب وإلا لما جعله الخالق شرطاً ليغير ما بالاقوام فقال جل وعلا: «إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم». ـ ـ ـ في الخاتمة أقول ألا لا يظنن احد ان ما تقدم دعوة الى هجر التحضر والمدنية الى الفقر والتخلف بحجة الزهد والاسلام، فالاسلام دين حضارة يغلّفها الزهد وليس دين تَخلف ولكنها دعوة الى هجر النموذج الغربي في حياة شبابنا الى نموذج اسلامي متحضر يجب ان نروّج له في مجتمعاتنا لا ان نطارده ونتهمه بالتخلف لالتزامه بالدين. أما جون ووكر ذلك النموذج الذي قد يكون له وعليه فكأني به يقول وقد أيسرَ: حتى متي تخطئني الشهادة والموت في أعناقنا قلادة ليس الفرار في الوغى بعادة ياربّ زدني في التقى عبادة وفي الحياةِ بعدها زَهادَة