الامتيازات التي يضفيها المنصب الجديد على صاحبه في بعض المؤسسات لا تكاد تتعدى لحظات البداية ثم لا تلبث ان تتلاشى، وعليه يجد بعض الموظفين في مرحلة تعيينه الفرصة المواتية للدلال والمطالبة بكافة ما يمليه المنصب الجديد من أدوات وقوى بشرية، لانها فقط التوقيت المثالي الذي تلبى فيه جميع المطالب بلا استثناء، ودون الالتفات إلى مدى أهميتها أو البحث في موضوعيتها. وهو الحال في الجانب الاداري فبعض المؤسسات لا تتجاوب مع موظفيها ولا تستمع إلى رغباتهم في تطوير وتيرة العمل والارتقاء بمستوى الاداء إلا وقت تعيينهم وحسب، ما يجعل الموظف يتسرع في اتخاذ قراراته ورصد احتياجات مهامه، ومقتضيات الوظيفة الجديدة، وقد يخطئ الحساب فيطلب ما قد لا يحتاج إليه أو ربما يجحف العمل قدره فلا يوفيه الحق من كافة الاحتياجات لمحدودية اطلاعه والاستعجال في تقديم الطلب. في الحالتين فان المؤسسة هي من يدفع ثمن هذه السياسة التي تفتقد في الكثير من جوانبها الى الاتزان والتخطيط الاستراتيجي السليم، وللاسف فإن مثال هذه المؤسسة ينطبق على العديد من جهاتنا المحلية التي يجد فيها الموظف نفسه يراوح مكانه دون ان يحرز تقدما يحتسب له أو يبرز قدراته الابداعية في ادارة دفة العمل واثبات جدارته واستحقاقه المنصب الجديد، بل ان المنصب الجديد قد يقف حجر عثرة امام تفتق المواهب والافكار البناءة، ويحول دون اسهامه في دفع عجلة التميز الوظيفي. والامر سيان ان كانت قناعات الموظف تملي عليه ان يبادر فور تعيينه بطلب كافة مستلزماته من مبدأ «دق الحديد وهو حامي» وإلا اهمل وفقد أهميته بمرور الوقت وأصبحت مطالبه عبئا على ميزانية المؤسسة. غير ان للمؤسسات التي تقوم على التخطيط الاستراتيجي رؤية واضحة بعيدة المدى تبني عليها خططها المستقبلية الخمسية والعشرية، وتسهل على الجهات العليا مراقبة تنفيذ هذه الرؤية على فترات زمنية متواترة يتم فيها قياس الاداء السابق واستشفاف الرؤى المستقبلية والتي تضع من اجل تحقيقها البدائل اللازمة وصولا إلى الغاية المنشودة. ومن هذا المنطلق تستطيع الادارة ان تحدد الادوات التي تعين الموظف في منصبه الجديد على بلوغ هذه الرؤية كما ونوعا، وتمنحه عنان اطلاق طاقاته وترجمة تصوراته ضمن منظومة العمل المؤسسي، دون هدر في الموارد أو تخبط في الاداء. فتعيين موظف من اجل تحسين اداء العمل دون الرجوع إلى الاستراتيجية والرؤية المستقبلية من خلال الاستعانة بخبراته وصلاحياته في التغيير، سبب اكيد في استنزاف الكثير من الموارد والامكانيات التي قد تكلف المؤسسات المبالغ الطائلة دون ان تصيب بها هدفا أو تحقق منها مردودا ايجابيا، لذا فان مثل هذا الموظف يعلم يقينا ان الفرصة التي لا تتكرر لتلبية رغباته والتنبه لاحتياجاته هي فترة ما بعد التعيين مباشرة.! darwish@albayan.co.ae