تشديد قبضة الحكم الاستبدادي وتوسيع رقعة القهر المؤسسي في العالم الاسلامي، بات يمثل البند الاول على أجندة الولايات المتحدة لمرحلة ما بعد احداث 11 سبتمبر، والمؤشرات الاولية اخذت تظهر الآن في باكستان تحت عنوان «مواصلة الحرب ضد الارهاب». وعلى هذا النحو يمكن ان نفترض منطقيا ان الولايات المتحدة تعد تدابير ذات طبيعة مماثلة لتطبق في بلدان اسلامية اخرى على غرار النموذج الباكستاني، ولكن بالطبع وفقا للظروف السياسية المحلية السائدة في الحالة الخصوصية لكل بلد اسلامي على حدة. وتأسيسا على هذه الفرضية المنطقية فإن الامثلة لن تحصى سوف تحظر احزاب ومنظمات سياسية جنبا الى جنب مع منظمات خيرية. وسوف تغلق اندية مهنية واكاديمية ومراكز بحث، وسوف تفرض رقابة امنية على اساتذة الجامعات والطلاب، وسوف تبعد شخصيات من مناصبها تعسفا، وربما تنفذ سلسلة اغتيالات منظمة. و لكي تطبق مثل هذه التدابير دون عوائق بيروقراطية او مؤسسية او سياسية، فإن ذلك يستلزم بطبيعة الحال تشديد قبضة الحكم الاستبدادي وتوسيع رقعة القهر الشعبي بما يتطلب الغاء شبه كامل لاي نوع من الحريات او شبه الحريات الاساسية. ان ما يجري الآن تطبيقه او الاعداد لتطبيقه في النموذج الباكستاني المخيف بضغط متعاظم من الولايات المتحدة ليس سوى فصل استهلالي. فسوف تتوالى فصول مماثلة في ارجاء العالم الاسلامي، والعنوان الامريكي العام للمرحلة هو وأد الديمقراطية بأي شكل متواضع في البلدان الاسلامية، وخنق صوت اي جماعة او فرد يدعو اليها، وهكذا باسم «مواصلة مكافحة الارهاب» سوف تكتظ السجون والمعتقلات وتشيع ممارسات التعذيب وتبرز اجهزة الامن كأقوى وأعتى مؤسسة من مؤسسات الحكم، على حساب مؤسسات التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولكن بالطبع لكل فعل رد فعل، فتوسيع نطاق الملاحقات الأمنية خارج اطار الشرعية القانونية، سوف يؤدي الى المزيد من القناعة لدى الافراد والجماعات المعارضة الى اعتناق عقيدة العنف.. ومن ثم تقع فتن وراء فتن داخل مجتمعات البلدان الاسلامية. ففي باكستان ـ النموذج الاول ـ عندما تتكاثر الاعتقالات التعسفية بين المسافرين عبر مطار كراتشي الدولي على اساس الاشتباه تحت نظام المراقبة الالكترونية الجديد، سوف يشيع بالتدريج شعور عام بالغضب عندما يتكشف رويداً ان الاعتقالات تنفذ وفق تعليمات من «مكتب التحقيقات الفيدرالي» الامريكي. والتضييق على المدارس الدينية بمناهجها وطلابها واساتذتها سوف يؤدي الى اثارة قيادات الجماعات الاسلامية وقواعدها الشعبية. ومحاكمة المواطنين الذين تطوعوا للحرب في افغانستان الى جانب «طالبان» سوف تثير تساؤلا شعبيا: لماذا كان هؤلاء يعتبرون مجاهدين وابطالا في عهد الجهاد ضد الوجود السوفييتي؟ وهكذا فإن على الولايات المتحدة ان تتهيأ لتيار جديد مضاد في العالم الاسلامي، ما لم تراجع نهجها الاستفزازي.