لا شك أن الحرب في أفغانستان جاءت على غير معظم التوقعات، بحيث أنجزت بسرعة قياسية، إن كان من قبل توقعات صانعي السياسة الأمنية ـ العسكرية في الولايات المتحدة، أو حتى من قبل القوات الأفغانية المتحاربة على الأرض. بل أكثر من ذلك، إن هذه الحرب بكل ما بثته من تبشير وأقاويل وتكهنات قد فاجأت أصحابها، بصرف النظر عن غموض النتائج وإبهامها على صعيد الوضع الداخلي الأفغاني، المفتوح على كل الاحتمالات بحلوها ومرها. أن الانهيار السريع لحركة طالبان وانسحاق أنصارها الإقليميين سياسياً، قد سرع من وتائر التفكير عند الجانب الأمريكي، الذي يقود تحالفاً عالمياً فيما يسمى بمحاربة الإرهاب،ونظم أجندة الحلقة، أو المرحلة الثانية من هذه الحرب المعلنة، بل أكثر من ذلك فتح شهية التحالف على تخطي الوضع الأفغاني، باتجاه مناطق ساخنة في العالم بعامة، وفي العالمين العربي والإسلامي بخاصة. لكن الملاحظ بأن بعض حروب المرحلة المقبلة سيكون بالنيابة، والأمثلة هذه المرة واضحة كل الوضوح، لا لبس أو مس فيها، بل أكثر من ذلك، أن الأهداف باتت محددة، فالدول التي تقع في حيز الاستهداف، ستكون من مهمة التحالف وبعض معارضاتها، وهي من سوء الطالع أصبحت لا تعد ولا تحصى، بينما الأحزاب والقوى المتهمة بالإرهاب، ستتولى مسؤولية وأدها إما النظم المحلية التي تعيش في كنفها، عن طريق أجهزتها الأمنية والبوليسية، أو عن طريق محيطها الجغرافي القادر على إنجاز مثل هذه مهمات، بالارتكاز إلى شرعنة عامل القوة من خلال المؤسسات الدولية المسيطر عليها، من قبل الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وتحالفها الدولي بالدرجة الثانية. ما يهمني في هذا المقام، الوضع الفلسطيني واللبناني،فبالنسبة للوضع الفلسطيني، أدركت الولايات المتحدة خطورة إقحام نفسها بشكل مباشر، بهدف ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، بما يتناسب مع الرؤية المركبة الإسرائيلية - الأمريكية المرتكزة بالأساس إلى مجرد رؤية أمنية، من جهة، ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة من جهة أخرى. دون أن تغفل - أمريكا - العمل على تجنب المساس بمصالحها النفعية، لذلك رأت في شارون هذه المرة بأنه أسهل الشرين فيما يسمى بمحاربة الإرهاب الفلسطيني، خاصة وأن الذريعة موجودة، والتي قدمت بفعل عدم القدرة من جانب القوى الإسلامية الفلسطينية، على تحديد عاملي الزمان والمكان على حد سواء هذه المرة. فما كان مؤجلاً قبل أسابيع على أقل تقدير، أصبح هذه الأيام يتصدر المرتبة الأولى بسلم أولويات الاجندة الأمريكية المعدة، أي بكلام آخر، حصلت الولايات المتحدة على مساحة زمنية لا يستهان بها، وأصبحت ترى ضرورة تأجيل العراق الذي كان في المرتبة الثانية، لتحل محله فلسطين ولبنان، باعتبار أن تأجيل الوضع الفلسطيني واللبناني، سيشكل عامل حرج كبير بالنسبة للولايات المتحدة في حال البدء في العراق، خاصة وأنها خسرت تفويض الدول العربية والإسلامية كافة وبعض الدول الغربية أيضاً، والسبب الأساسي والرئيسي في ذلك، يكمن في عدم قدرة اسرائيل والولايات المتحدة على تقديم الحلول المناسبة على الجبهة الفلسطينية بخاصة، والمنطقة العربية بعامة، حتى هذه اللحظة، دون تجاهل الحقيقة المرة، بأن فلسطين هذه الأيام ولبنان، أصبحتا تشكلان الحلقة الأضعف، لجملة من الحيثيات والمشكلات؛ التي تتعلق بشكل أساسي في التركيبة البنيوية لهما، ثمة سيناريوهات، كانت معدة قبل قيام حركة فتح والجهاد وحماس بالعمليات الاستشهادية الأخيرة، لتصفية ما يسمى بالإرهاب الفلسطيني. فالسيناريو الفلسطيني يتلخص بالتالي: - تقوم اسرائيل بالعمل على ممارسة أقصى حدود الضغوط السياسية والأمنية، بالتزامن مع الحصارات والاختراقات في مناطق «أ»، بهدف فرض الاملاءات على السلطة الفلسطينية، بهدف وضعها تحت المطرقة الإسرائيلية القائلة بأن شرعية استمرار السلطة الفلسطينية يستمد من محاربتها للإرهاب الفلسطيني، ودون ذلك تكون السلطة مع ممارسة الإرهاب فلا بد من إسقاطها أو ترحيلها إلى الخارج، وقد تزامن ذلك مع تصريحات امريكية وأوروبية، ومع وقف الكثير من القنوات المالية التي كانت معدة ليس لدعم حماس وحدها بل للكثير من الشرائح و الفئات الفلسطينية المسحوقة. فإذا استجابت السلطة الفلسطينية للمطالب الإسرائيلية والأمريكية، تكون الطرف الذي ينوب عن اسرائيل لتصفية حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وبعض التنظيمات الفلسطينية النشطة الأخرى. مع المعرفة المسبقة من قبل اسرائيل والولايات المتحدة، بأن هذا الأمر سيخلق وضعاً داخلياً فلسطينياً مضطرباً، أو إذا شئت، حرباً أهلية فلسطينية، بمعزل عما يسمع من تصريحات ونداءات حول أهمية الوحدة الوطنية، لان القضية باتت قضية حياة أو موت بالنسبة للقوى وأعضائها. بعد ذلك، تأتي اسرائيل والولايات المتحدة، بحجة عدم قدرة السلطة الفلسطينية على ان تكون شريكاً لإسرائيل، وبالتالي لا بد من خلق بدائل سياسية متوازنة، من وجهة نظر اسرائيل، تكون أشبه بجيش لحد، الذي خلقته على الحدود اللبنانية الفلسطينية. لتقدم مجموعة حلول ادارية ـ أمنية، تحت جملة من العناوين والمسميات يتم فرضها على المحيط العربي، باعتباره منهكاً يسعى للتوصل إلى أي حل مهما يكن نوعه، ليخرج نفسه من الحرج الكبير الذي يعيشه مع جمهوره. وبذلك تكون اسرائيل والولايات المتحدة قد تخلصتا من هذه المشكلة وذيولها، خاصة وانه سيتم إشراك بعض الأطراف العربية في صناعة هذه الظاهرة الفلسطينية التي ستخلف السلطة الفلسطينية. بهذا المعنى سنكون قد شهدنا حرباً ضد الإرهاب الفلسطيني بالنيابة، باعتبارها حرباً داخلية أو أهلية، وبالإنابة من خلال إشراك بعض الأطراف العربية، تحت عنوان الخوف على مستقبل الفلسطينيين ومصالحهم والحفاظ على قضيتهم الوطنية. اما في لبنان فالسيناريو هو الآخر كان معداً منذ زمن، وهو يقوم على تضييق الخناق الاقتصادي على لبنان،باعتباره يتصف بالأساس بقلة الموارد، مع إفهامه أن فتح هذه الموارد رهن بتفكيك القوى الإسلامية اللبنانية، بمعزل عن انتمائها الطائفي وهي لدى الطرفين موجودة، السني والشيعي، وهذا الأمر سيخلق حالة من الوضع الاقتصادي المريع، الذي بدوره سيدفع ببعض الاتجاهات الداخلية لاستخدام كل أدواتها للتخفيف من حجم الضائقة،لكن ذلك سيجير من بعض قوى خلفية هدفها سيكون العمل على إثارة المشكلات الداخلية، لإدخال البلد في حرب بالنيابة عن الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي ستكون في سلم أولوياتها محاولات ضرب الأمن السياسي والاجتماعي، وبما يؤدي لضرب الوحدة الداخلية اللبنانية، وإذا ما عجزت الأطراف الداخلية من إنجاز مهامها الموكلة إليها بالنيابة، تدخل اسرائيل بشكل مكشوف بحجة الحفاظ على أمنها في الشمال بحرب إنابة أخرى لكن ليس في تكرار التجربة، بل مع بعض القوى الأوروبية، لضرب الإرهاب وترتيب الوضع الداخلي اللبناني. في غمار هذا الصراع ستكون الحرب، قد طحنت الكثير من القوى وغيبتها عن الخارطة السياسية الداخلية، وضربت الروابط العربية - اللبنانية وجرت لبنان إلى الاتجاه الآخر باعتباره ملحقاً على قوى دولية وإقليمية غير عربية، ومن ثم تمرر الصفقات السياسية الإسرائيلية بكل سهولة ويسر ودون عناء يذكر، لان الترتيبات ستكون بكل تأكيد بين أبناء الصف أو الخندق الواحد، في ظل غياب القوى الوطنية والإسلامية من المعادلة السياسية الداخلية. بعد ذلك سيأتي الدور العراقي، والذي سيغير وجه المنطقة وسيطال النظام العربي برمته على كل المستويات، لان الولايات المتحدة على ما يبدو ستعمل على خلق حالة من الفراغ السياسي والسلطوي داخل العراق، بهدف خلق صراع داخلي مديد يغيب الكثير من القوى، وهذا بدوره سينعكس على الأمن والاستقرار في دول المحيط الجغرافي أرادت أم لم ترد، فالأمر هكذا، ومن ثم تنزل الولايات المتحدة على الأرض لتحصد هذه المرة بمفردها الغنائم والمغانم. لكن السؤال: هل سيبقى النظام العربي ينادي بالتصالح مع لهب النار ؟ أم أنه سيعمل على إطفائها، باستخدام أدواته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وحتى العسكرية؟ ـ كاتب فلسطيني