عادت غيوم الحرب لتلبد سماء المنطقة من جديد. وهناك من يقول انها لم تغادرها اصلاً غير ان العدوان الذي يشنه شارون ضد الفلسطينيين لا يترك الكثير من الامل في تحقيق السلام، ان لم نقل انه ينسف امكانياته تماماً. وخلاف ذلك لا تسير الامور ايضاً على ما يرام. يكفي ان نتذكر ان المنطق الذي يحكم تطور الاوضاع بات يسير ببطء ولكن بثبات نحو الكارثة.فحين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر العام الماضي، وما صاحبها من رد اسرائيلي عنيف، وبدا ان الامور في طريقها الى الانفجار، تحركت الولايات المتحدة وبمباركة دولية، تم تشكيل لجنة برئاسة السيناتور الامريكي السابق جورج ميتشل (سميت باسمه) ارسلت للاراضي المحتلة.كان هدف هذه اللجنة هو تقديم الوضع وتقديم توصيات للخروج من الازمة. وفعلاً قدمت اللجنة تقريرها بعد ثلاثة اشهر من العمل وزيارة اسرائيل والمناطق الفلسطينية. لكن تقرير لجنة ميتشل وتوصياته بقيت حبراً على ورق بفضل التصعيد الذي كان يجري على الارض. ومرة اخرى وجدت الاطراف المختلفة نفسها في مواجهة انفجار محتمل في المنطقة. ولانقاذ مهمة اللجنة ارسلت الولايات المتحدة مدير وكالة مخابراتها جورج تينيت الذي قدم بدوره خطة تتيح تنفيذ تقرير لجنة ميتشل. لكن خطة تينيت سرعان ما واجهت نفس الصعوبات وتأجل تطبيقها على الارض التي شهدت تصعيدا من جانب اسرائيل ورداً فلسطينياً بموازاته.وعلى اثر تزايد العمليات الاستشهادية وتصاعد القمع الاسرائيلي، خصوصاً تزايد وتيرة الاغتيالات السياسية وقصف المدن والقرى الفلسطينية، قررت الادارة الامريكية ان ترسل للمنطقة مبعوثاً جديداً هو الجنرال المتقاعد انتوني زيني، لينقذ خطة تينيت وتوصيات لجنة ميتشل. ومن يدري فقد تضطر الولايات المتحدة لارسال مبعوثين اخرين لينقذوا ما فشل من سبقهم في تنفيذه. الحلقة المفرغة ومن ناحية اخرى فقد تحولت القضية من بحث كيفية العودة الى المفاوضات السلمية التي توقفت في كامب ديفيد العام الماضي، الى تطبيق الهدنة التي اقترحتها لجنة ميتشل، الى وقف اطلاق النار ومهلة السبعة ايام التي وافق عليها رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون بواسطة جورج تينيت. اما اليوم فلا احد يتحدث عن مقترحات كامب ديفيد او تقرير لجنة ميتشل او خطة تينيت، فقد طواها، او يكاد النسيان بعد التفجيرات الاستشهادية الاخيرة في القدس وحيفا وبعد قصف اسرائيل مطار غزة ومقرات الرئيس الفلسطيني ومروحياته. الحديث اليوم يدور بين الجنرال زيني والمسئولين الفلسطينيين عن مهلة لا تتعدى ساعات او ايام ينفذ خلالها الرئيس الفلسطيني ما وعد به لاعتقال نشطاء حركتي حماس والجهاد الاسلامي، في مرحلة اولى، ثم ضرب البنية التحتية للحركتين في مرحلة ثانية، وبما يؤمن في النهاية هدف منع العمليات العسكرية ضد الاسرائيليين. ومرة ثانية فمن يدري قد ينجح عرفات في تحقيق هذه الشروط، ولكن ربما تأتي عملية استشهادية من نشطاء في فتح او تنظيمات فلسطينية اخرى، ليتم اعطاء الرئيس الفلسطيني فرصة جديدة بشروط جديدة اشد واقسى من سابقها، او ربما تتم الاطاحة به او منعه من دخول الاراضي الفلسطينية. هكذا تتدرج الشروط والمطالب لتنحدر من التفاصيل الى تفاصيل التفاصيل، ولتتحول القضية الفلسطينية الى مجرد جري لا ينتهي خلف فترات تهدئة تمهد بدورها لعودة مفاوضات لا ينتظر الجانبان منها الكثير. والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل ما جرى كان حتمياً؟ هناك من يرد، وهم كثيرون على هذا السؤال بالايجاب. وهم يرون ان جميع المصائب التي تنزل حالياً على رؤوس الفلسطينيين انما هي بسبب توقيع اتفاقات اوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية وقتها برئاسة اسحق رابين. فهذه الاتفاقات بحسبهم قد اضرت بالقضية الفلسطينية لانها انهت العزلة الاقليمية والدولية التي كانت مفروضة على اسرائيل ومكنتها من الحصول على شرعية في حين لم تمنح الفلسطينيين شيئاً، بل انها حاولت ان تحرمهم حقوقهم في القدس والارض واللاجئين مقابل دولة ممسوخة. ولذلك ينبغي الغاء هذه الاتفاقات او اسقاطها. وانا لست من انصار هذا الرأي ولا اؤيده، لكني ارغب في تصديقه، رغم علمي الكامل بالنتائج الكارثية التي يمكن ان يجرها. ومع ذلك سوف اذهب فيه الى النهاية. ولنر ماذا يعني في حقيقة الامر اسقاط اتفاقات اوسلو، وما هي نتائج ذلك. ولكن ينبغي ان نلاحظ اولاً ان معارضي اتفاقات اوسلو ليسوا موجودين فحسب في الجانب الفلسطيني، فهناك في الجانب الاسرائيلي من هم اشد معارضة لهذه الاتفاقات واستعداداً لالغائها كلما سنحت الفرصة. ما بعد اوسلو ان رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي ارييل شارون كان منذ زمن بعيد ولايزال، وشأنه في ذلك شأن معظم قياديي حزب الليكود، يحلم بأن يتمكن يوماً ما من الغاء اتفاقات اوسلو، فهو يعتبرها خطأ فادحاً ارتكبته اسرائيل. ان هذه الاتفاقات بنظره قد وضعت الدولة العبرية تحت رحمة عرفات وشرطته، وزاد من الطين بلة، بنظره طبعاً، ان السلطة الفلسطينية سعت طوال الفترة الماضية الى بناء اجهزة الامن والشرطة وتدريبها وتسليحها. وهو يعتبر ان عدد القتلى في صفوف الاسرائيليين منذ عام 1993، اي السنة التي تم التوصل خلالها للاتفاق، فاق عدد من قتلوا في المواجهات مع الدول العربية. لذلك فإن شارون ظل على الدوام يبحث عن طريقة لاسقاط هذا الاتفاق. حاول ذلك عبر منصبه كوزير للبنى التحتية في حكومة بنيامين نتانياهو عبر بناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، لاسيما حول القدس، واللجوء الى مختلف اساليب الاستفزاز لمشاعر الفلسطينيين لعرقلة اي امكانية لتطبيق بنود اتفاقات السلام التي وقعها الفلسطينيون مع الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة. اما وقد اصبح رئيساً للحكومة، فلم يعد شيء يقف في طريقة نحو تدمير اوسلو بالحيلة ان امكن او بالقوة اذا اقتضى الامر. وهكذا راح يقدم الاغراء تلو الاخر لحركات الجهاد وحماس وغيرهما، للرد على الاعتداءات التي يقوم بها جيشه في الاراضي المحتلة، عن طريق العمليات الاستشهادية. وهو اتبع لهذا الغرض تنشيط سياسة الاغتيالات في صفوف نشطاء وقياديي الحركتين لدفعهما دفعاً نحو الانتقام.فهذه العمليات وما يستتبعها من رد اسرائيلي في اطار الحلقة المفرغة من الانتقام والانتقام المضاد، تحقق في نهاية الامر اهداف شارون. انها تمنح الحركات الاسلامية شعبية وتأثيراً طاغيين في الشارع الفلسطيني. وبحسب شارون فإن هذه الشعبية وذلك التأثير سيعززان من مكانة هذه الحركات ونفوذها السياسي، وسيحلان مع الوقت محل التأييد الذي تحظى به السلطة الفلسطينية بين مواطنيها. كما ان من شأن ذلك ان يدفع المزيد من اعضاء حركة فتح الذين يتحرقون شوقاً لمقاتلة اسرائيل، الى الطريق نفسه الذي تسير عليه حماس والجهاد الاسلامي. وفي النهاية تضعف سيطرة السلطة الفلسطينية ليس فحسب على الشارع الفلسطيني وانما حتى على اعضاء حركة فتح نفسها وتحديداً جهازها العسكري. وبسبب كون الحركتين لا تحظيان بقبول دولي، سيما في ظل الحرب الامريكية على الارهاب، فانه سيكون من السهل على شارون التعامل معهما، وتقديمهما للمجتمع الدولي باعتبارهما يعكسان رغبة اكثرية فلسطينية في عدم اقامة السلام مع اسرائيل. مأزق حقيقي هذا على المستوى السياسي اما على المستوى المادي، وامعانا في اضعاف السلطة الفلسطينية والقضاء عليها، ان امكن، فإن الرد العسكري الاسرائيلي على العمليات الاستشهادية، ركز ويركز على قصف وتدمير منشآت السلطة الفلسطينية، سواء الامنية منها او المدنية. وقد طال هذا الرد في الايام الماضية المزيد من مقرات الامن الفلسطيني في قطاع غزة والضفة، قبل ان يتحول الى ضرب مطار غزة ومروحيات عرفات ومقره الرسمي في رام الله. ان هدف شارون الاكبر كما اسلفنا هو انهاء اتفاقات اوسلو، وذلك يعني بصورة عملية تدمير السلطة الفلسطينية وجميع المؤسسات التي انشأتها في الاراضي المحتلة طوال السنوات الماضية. ومن الواضح انه سوف يستمر في ذلك، مستغلاً حالة الارتباك التي تسود الجانب الفلسطيني من جهة ومن جهة اخرى الوضع الدولي الناشئ عن هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة. لكن المفارقة هنا هي انه ليس شارون فحسب من يود اسقاط تلك الاتفاقات. فلديه نظراؤه في الساحتين الفلسطينية والعربية. ومن بين هؤلاء تبرز حركتا حماس والجهاد، كما تبرز حركات اخرى، وهذه جميعها تتحرق شوقاً لالغاء اوسلو وهي مستعدة ان تدفع اي ثمن من اجل ذلك. ولكن هل يعني الغاء اتفاق اوسلو شيئاً اخر غير اسقاط السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف؟ وهل يعني غير تدمير مؤسساتها؟ فهذه السلطة هي المولود الطبيعي لاوسلو، هي وجميع المؤسسات التي بنيت في هذه الفترة. ومن الطبيعي ان يتوقع المرء ان الغاء الاتفاق سوف يستتبعه الغاء ما تمخضت عنه. وهنا يكمن المأزق الحقيقي. وباعتقادي انه على الجانب الفلسطيني ان يحل هذه الاشكالية كي يتمكن من مواجهة مخطط شارون وافشاله، قبل ان يتمكن هذا المخطط من الاجهاز على المكتسبات الفلسطينية ودفع الفلسطينيين نحو الاختلاف والتناحر. ـ كاتب من البحرين