مؤتمر «الحضارات تواصل لا صراع» الذي تبناه ودعا اليه عمرو موسى الامين العام النشط لجامعة الدول العربية، والذي انعقد في اواخر الشهر الماضي في القاهرة تحت عنوان «حوار الحضارات: صراع ام تواصل لا تنحصر اهميته في الاشخاص الذين حضروه، حيث ان هؤلاء الحضور يمكن ان يستبدل بهم آخرون تعج بهم الحواضر والبوادي العربية، وهؤلاء الآخرون ليسوا اقل ممن حضروا قدرة وكفاءة وبعد نظر.. بل ان اهمية انعقاد هذا الاجتماع تكمن ـ في نظري ـ في مكان الاجتماع وفي توقيته واسبابه. لقد كان المثقفون العرب ـ بصرف النظر عما يعنيه هذا المفهوم بدقة او ما يشتمل عليه من معنى ـ بمنزلة «العجلة الخامسة» لدى النظم السياسية العربية، حيث تستخدم هذه العجلة في حالة الطواريء أو كزينة يشار اليها عند التفاخر، او تثار حفيظتها المعرفية عند التناحر، اما كونهم قيمة مضافة في المجتمع فيدعون الى ما فيه الصالح، ويحذرون من شرور الطالح، فحتى الآن لم تتعزز هذه القيمة في معظم مجتمعاتنا العربية بعد. وقد اكدت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي ـ ضمن ما اكدت من معطيات ـ ان الموضوع الثقافي يقع في مقدمة الاجندة التي يجب ان ينظر اليها بعمق في فضائنا العربي، باتجاه محاولة تفسير سوء الفهم او سلبية المعرفة بين العرب والآخرين، وان كان جزء كبير مما حدث تكمن اسبابه في الهوة الثقافية بين الأنا والآخر التي حان لها ـ الآن ـ ان تردم. الوسيط الثقافي لقد اشار الرئيس الفرنسي جاك شيراك في خطابه امام ممثلي حوالي مئتي دولة في افتتاح المؤتمر الاخير لليونسكو في باريس في نوفمبر الماضي، الى ان تاريخ الصراع الانساني في القرن التاسع عشر تركز على صراع القوميات وفي القرن العشرين كان صراع ايديولوجيات، اما القرن الواحد والعشرون فهو يعتقد انه سيكون قرن صراع الثقافات. وسواء كان ذلك حقيقة مطلقة أم هو تصور بعيد، فإن الحقيقة الماثلة امامنا ان جزءا كبيرا من العالم يضع المسألة الثقافية في قلب اجندته الدولية، ويفسر من خلالها هذا الصراع الماثل ـ ولعلنا نتذكر ان الصراع في عصر اصلاحات «الميجي» في اليابان. كان صراعا بين التحديث الذي قاده الامبراطور والمحافظين المدافعين عن الاقطاع، وعند الاشتباك المسلح، كان الاولون يحاربون بالبنادق والآخرون بالسيوف، الأمر الذي تكرر اليوم في افغانستان بين حرب البنادق وحروب الطائرات الخفية وقنابل الليزر ـ انها الفروق الثقافية التي تحسم كل صراع على مر التاريخ. ولادراك اهمية هذا التركيز العالمي على اهمية الثقافة فإننا نذكر، على سبيل المثال، ان اهم المؤسسات التي بنتها دول اوروبا كذراع للسوق الاوروبية المشتركة، هي المؤسسة الاوروبية للثقافة، وقد انشئت هذه المؤسسة منذ سبع سنوات خلت، من اجل التواصل الثقافي، ومقرها في العاصمة الهولندية امستردام، وقد ترجمت حتى الآن اثنين وثلاثين كتابا عربياً بين شعر ورواية ومجموعة قصصية ودراسات الى تسع لغات اوروبية، وتبنت مشروعا طموحا باتجاه الثقافة العربية، تحت عنوان «ذاكرة المستقبل». انها واحدة من مؤسسات كثيرة تقول لنا ان الثقافة تتبوأ على نقطة في صدارة اجندة العمل الدولي اليوم. قلت ان اهمية الاجتماع الذي عقد في القاهرة تنبع من مكان انعقاده ومن توقيته واسبابه، فالمكان هو حضن الجامعة العربية، ولأول مرة ـ حسب علمي ـ ينعقد تجمع بهذا المستوى وبهذا العدد في اطار الجامعة العربية لتدارس دور الثقافة العربية في العمل العربي المشترك، وفي التواصل مع الآخر، وهذا يعني الاعتراف بأن الثقافة وسيط مهم للتواصل الاكثر ثراء، كما ان التعمق والغوص في الامكانات التي تتيحها وسائطها المختلفة يجعلان التواصل يتجاوز السطح والمظاهر، ويتعدى المصالح الآنية ليؤسس مصالح دائمة ومشتركة بين الشعوب، ويتجاوز الحاضر ليبحث في المستقبل، لان الثقافة ببساطة هي مفتاح الفهم، وهي اكثر ما يحتاج اليه الانسان في عصر تحتاجه وسائل الاتصال الباهرة، فالصورة التي تنقل عن ثقافة ما تظل لاصقة في عقول الملايين ويترتب عليها افعال ومواقف تضر او تنفع، حسب ما تنقله تلك الصورة. اقتصاد المعرفة والشيء المهم ان عناية الجامعة العربية بهذا البعد الثقافي في هذا التوقيت الذي تدخل فيه الثقافة نسيج العلاقات الدولية وجوهر الاقتصاد واسس السياسة، هي دليل وعي جديد، اذا امكن تعميقه وتوسيعه وتوصيله الى دوائر متخذي القرار فإننا نكون قد خطونا الخطوات الاولى والسليمة نحو الوعي بأهمية الثقافة، كما يراها الآخرون، وكما هي في حقيقتها مكون مهم من مكونات الحضارة. لم تكن الثقافة العربية، بجانب الحضارة الاسلامية، ينظر اليهما في وقت ما مثلما يحدث في وقتنا هذا، حيث ينظر اليها بسلبية شديدة من قبل الآخر، وقد تكونت هذه النظرة بسبب صراع طويل في فلسطين افرز العديد من السلبيات في الجانب الثقافي، او بسبب طول المراوحة في اقتحام الحداثة في مجتمعاتنا العربية، ولم تكن الاسباب الداخلية بعيدة عن افرازها، بل كان لنا مساهمة ما في هذا الافراز السلبي الى درجة ان غلبت الصورة السلبية وربما القبيحة على تراث انساني وحضاري غني وعميق الجذور. الغموض في الفهم، وربما لقلة في المعلومات، كان ولايزال العامل الثقافي مهملا في فهمنا لدوره وقدرته على تقديم العلاج الافضل والانجع لحل مشكلاتنا العالقة مع النفس أو مع الآخر. ربما لا يعرف إلا قليلون ان العامل الثقافي هو الجانب الاكثر نموا في الاقتصاد العالمي الحديث، فمن خلال النسبة المتزايدة لدوره في اقتصاد المعرفة، كقطاع مستقل في صنع الثروة، تتراكم ثروات الأمم. ولعلي هنا اشير الى ما هو معروف بأن اكبر حجم للتصدير من الولايات المتحدة ليس هو السلاح على كبر حجمه، وليس الآلات التكنولوجية برغم ضخامة ما يصدر منها، ولكنها اقتصاديات الثقافة، من برامج الكمبيوتر الى صناعة السينما، وهناك في العالم مفهوم يتعمق في الاقتصاد يسمى الصناعة الثقافية، فاقتصاديات المعرفة والترفيه: هي اوسع قطاع اقتصادي يتنامى في التجارة الدولية. لقد اصبحت الصناعة الثقافية في العديد من الدول المتقدمة صناعة ثقيلة، حقيقة لا مجازا ومع تزاوج الثقافة بالاعلام يظهر على السطح جيل جديد من المنتجات الخدمية الثقافية، وبنوع معين ومرسوم من التوجيه الثقافي المرتبط بوسائل حديثة للاتصال تقصف عقول المستهلكين في ارجاء العالم بنتاج ثقافي مستمر من خلال الشبكة الذكية «الانترنت» او شبكات التلفزيون ان من خلال المكتبات الافتراضية، حيث يودع القاريء ما شاء له من كتب في تخصصات مختلفة يعود اليها متى شاء، وفي اي مكان هو في العالم. ان التفاعل والتلاقح الثقافي في مثل هذا العالم الذي غدا اصغر مما كنا نتصور، يحتاج الى جهود حقيقية للتعرف عليه وتمييزه، كما ان المشاركة في هذه الصناعة الثقافية العالمية تحتاج اولا الى الاعتراف بأهميتها في التنمية. أهمية التوقيت قلت ايضا ان توقيت الاجتماع كان مهما في الوقت الذي تتعرض فيه الثقافة العربية والحضارة الاسلامية الى اكثر الهجمات عنفا وشراسة، المسألة ليست فقط في انشاء الصناعة الثقافية الدولية التي اشرنا اليها، ولكن ايضا في مضمون ما تبثه، ولاسيما في الصورة التي تعطيها عن الآخر، وهي صورة انتقائية، وفي كثير من الاحيان مشوهة خصوصا بعد الهجمة الاخيرة على كل من نيويورك وواشنطن. ليس المهم هنا دخول الثقافة كقيمة في السياسة الدولية يحدد على اساسها الموقف من الآخر وطريقة التعامل معه، بل الاهم هو دخول الثقافة من باب حرج هو السياسات الداخلية لبلداننا، فعن طريق استغلال مدروس او غفلة ساذجة قد تستخدم الفروق النسبية في مسألة الهوية الثقافية، او اللغوية أو الدينية أوالطائفية والجهوية في مجتمعاتنا، لتشعل صراع الاختلاف الثقافي، ولنا امثلة كثيرة في العالم منها ما حدث في البلقان في وسط اوروبا، وفي منطقة البحيرات الكبرى في افريقيا، وفي آسيا الوسطى، واخيرا في افغانستان التي اصبح العالم اليوم ـ من خلال متابعته لاحداثها ـ يعرف بوضوح الفرق بين البشتون والطاجيك والاوزبك وغيرها من الاعراق، في بلاد كان شعبها حتى الأمس القريب منسجما ومسالما، بكل فئاته واعراقه. وأخيراً فإن اهمية اجتماع القاهرة تكمن في اسبابه، فلم يكن الاجتماع للتنظير، حيث لا تنقصنا التصورات النظرية في بلادنا. بل ما ينقصنا حقيقة هو الآليات والافعال الاجرائية، لذا خرج اجتماع القاهرة بآليات محددة، سميت برنامج العمل، وعلى تنفيذ هذا البرنامج او جزء معقول منه، يتوقف مدى جدية ردة الفعل التي تنادى لها الجميع لوضع الثقافة العربية في مكانها الدولي الصحيح، وهو طريق طويل لا يستطيع التصدي له ومواصلة اشواطه جميعا إلا ذوو العزم والتصميم، ليتحول المثقفون العرب في بلدانهم من «عجلة خامسة» احتياطية الى واحدة اساسية، تتخذ مكانها المناسب والضروري بجانب عجلات الاجتماع والسياسة والاقتصاد التي تعتمد على حركتها عربة المجتمعات الحديثة. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت