عندما خرجت من مترو الانفاق، اخر محطة مؤدية الى مركز ضاحية مونتروي، تلفت حولي متأملا المكان، قلت لنفسي: حقا إن الأمر نسبي! على امتداد الشهور المنقضية وخلال المراسلات المتصلة بين ادارة معرض كتاب الفتيان وبيني، كانت المعلومات المتوفرة لدي، أن المعرض يقام في ضاحية فقيرة من ضواحي باريس، وانها منطقة شعبية يسكنها فقراء العرب والزنوج واليهود، المجلس المحلي للضاحية يحكمه الحزب الشيوعي منذ عدة سنوات، والمجالس المحلية هنا، أو البلديات يتم انتخاب أعضائها والعمدة عبر انتخابات مهمة جدا تتنافس خلالها الأحزاب السياسية المختلفة، ولذلك نسمع عبارات كثيرا ما تثير فضول أمثالنا القادمين من العالم العربي مثل: هذه المدينة يحكمها الاشتراكيون. هذه المدينة يحكمها المحافظون.. الخ، أكاد أقول فكرة وجود انتخابات حرة حقيقية تبدو غريبة بالنسبة لنا! في هذه الضاحية الفقيرة بالنسبة الى باريس يتم اقامة ثاني أهم معارض الكتب الفرنسية والتي يبلغ عددها سنويا ستة وستين معرضا. أولها معرض الكتاب العام الذي يقام في ابريل من كل عام، يليها هذا المعرض المخصص للفتيان. أي الذين تقع أعمارهم بين التاسعة والسادسة عشرة، وربما لا تدل كلمة معرض هنا على دلالة ومضمون هذا النشاط الثقافي الواسع الذي يسبق افتتاح المعرض. أكثر من مئة وخمسين ندوة ولقاء مع أدباء ومفكرين تعقد في أماكن مختلفة من الضاحية مترامية الأطراف. عروض مسرحية موسيقية، سينمائية، ثم ندوة كبرى تسبق المعرض وتخصص للثقافة التي يتم استضافتها من احدى مناطق العالم، في هذا العام تم استضافة الثقافة العربية، وتمثل ذلك في ترجمة عدد من الأعمال الأدبية لأدباء عرب من بلدان مختلفة، واستضافة أدباء ومفكرين عرب، محمود درويش من فلسطين، والياس خوري من لبنان، واسين الاعرج من الجزائر، حبيب السالمي من تونس، عالية ممدوح من العراق، جمال الدين بن شيخ من المغرب، بطرس الحلاق من سوريا، محمد برادة من المغرب، وعدد من كبار الاساتذة الفرنسيين المتخصصين في العالم العربي، كان الاختيار موفقا بالنسبة للظروف الدقيقة التي تمر بها العلاقة بين الشرق والغرب بعد الأحداث التي بدأت في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر. عندما اجتزت الشوارع المؤدية الى مقر البلدية كانت اللافتات المعلقة فوق جدران البنايات التي تبدو متسقة نظيفة تعلن عن الندوات والانشطة المخصصة للثقافة العربية في هذا العام. ها هي المرة الأولى التي تحضر خلالها الثقافة العربية بقوة في هذه المنطقة النائية على هامش باريس. عندما وصلت الى القاعة الفسيحة الرئيسية في مبنى البلدية الضخم دهشت للمرة الثانية من كثافة الحضور. أكثر من الف فرنسي وفرنسية جاءوا للمشاركة في الندوات ثم دهشت أكثر عندما علمت ان هؤلاء دفعوا لادارة المعرض، خمسمئة فرنك لكل شخص مهتم. إما دفعها هو أو الجهة التي يعمل بها، هذا رسم مشاركة، وبالنسبة لي وللضيوف فلابد من تعليق شارة خاصة تسمح لنا بدخول القاعة، معظم المشاركين من العاملين في المكتبات العامة والخاصة، أي انهم على اتصال بالجمهور، كذلك العاملين في دور النشر والمصالح والمؤسسات ذات الصلة بالعالم العربي. كانت المحاضرات تبدأ في التاسعة صباحا وتنتهي في السادسة بعد الظهر. وخلال أيام ثلاثة جرت مناقشة كل ما يتعلق بالادب والسياسة والتاريخ والمجتمع من خلال اساتذة عرب وأساتذة فرنسيين، واستعراض تفاصيل تلك المناقشات يحتاج الى مساحة كبيرة، غير ان الانطباع العام الذي تكون لديّ يتلخص في عدة نقاط، أولها: وجود اهتمام كبير ورغبة في معرفة حقيقة الأوضاع ومايجري بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر افاق الغرب فجأة على حقيقة وجود مليار ومئتي مسلم في العالم، وكان التعليق الذي صدرت به مجلة البريد الدولي المتخصصة في اعادة نشر أهم المقالات في العالم دالا، كان (صدمة الجهل بالاسلام) كأن الغرب أفاق على وجود العالم الاسلامي بعد جهل استمر لقرون، واجهات المكتبات تغص بالكتب، سواء تلك القديمة التي اعيد على عجل طباعتها أو الكتب الجديدة عن العرب، عن المسلمين، عن الاسلام، حتى أغاني النساء الشعبية في قبائل البشتون، أعلى الكتب توزيعا القرآن الكريم والذي ترجمت معانيه الى الفرنسية أكثر من مرة. المجلات الاسبوعية تخصص اعدادها بالكامل لموضوعات عن الاسلام والمسلمين ومتابعة مايجري، طبعا المجلات المتخصصة تبدي اهتماما أكثر، مثل مجلة (التاريخ) ومجلة (الأديان المعاصرة) من هنا كانت الندوة فرصة ثمينة للصحفيين الفرنسيين في المقابل غاب عنها الصحفيون العرب تماما، لاحظت ان بعض المشاركين من العرب، خاصة المقيمين في فرنسا، يتحدثون بلهجة خطاب يتصورون انه يرضي الرأي العام في الغرب، أحد الأساتذة العرب راح يردد: متى نتخلص من الفصحى؟ متى نتحرر من تلك الثقافة القامعة؟ في المقابل كان هناك من يدافع عن الثقافة العربية والاسلامية، وكانت محاضرة الدكتور بطرس الحلاق هامة جدا. خاصة فيما يتعلق بتلك الآراء السلبية حول الثقافة العربية والاسلامية، كان يركز على ان الثقافة العربية حية ومستمرة ومتنوعة وانها تقاوم العناصر السلبية من داخلها. الحقيقة، انه لا توجد حساسية بالنسبة لي ازاء مناقشة همومنا ومشكلاتنا ولكن مناقشة تلك الهموم بيننا أمر وطرحها امام اخر يجهل عنا تقريبا كل شئ أمر آخر، ويصبح الأمر أدهى اذا أقدم البعض على تقديم مايتصورونه انه يرضي الآخر، انتهت الندوة العلمية بلقاء مع الشاعر محمود درويش ألقى فيه كلمة مؤثرة عن أوضاع شعبه، ولكن اللقاء التلفزيوني على الهواء مباشرة بين محمود درويش وطلبة المدارس الثانوية في باريس، وطلبة المدارس الثانوية في جنين كان أكثر حيوية، بل لا أبالغ اذا اعتبرته حدثا ثقافيا وسياسيا وانسانيا هاما، للأسف غابت عنه وسائل الاعلام العربية أيضا. عقد هذا اللقاء في اليوم التالي لافتتاح المعرض مباشرة، اللقاء كان على الهواء مباشرة بالاقمار الاصطناعية كان في باريس في قاعة الندوات الرئيسية بالمعرض. محمود درويش والى جواره ليلى شهيد سفيرة فلسطين، والياس صنبر أحد المثقفين العرب البارزين الذين خدموا القضية العرية كثيرا، ولديه - مع زميله فاروق مردم بك - خبرة عميقة بالمجتمع الفرنسي وكان هناك طلبة يمثلون أربع مدارس ثانوية. وعلى الطرف الآخر، كان طلبة مدرسة ثانوية فلسطينية في القدس الشرقية، وطلبة مدرسة ثانوية فلسطينية في جنين. وسأورد نماذج من هذا الحوار الهام. سؤال من طالبة فرنسية الى محمود درويش عن قصيدة محمد الدرة. قال محمود درويش ان القصيدة تعبر عن رؤية للحظة الدامية والتي رآها العالم كله، قال انه بعد الكاميرا لا يستطيع أحد أن يقول انه لم ير، ان الكاميرا تضع الجميع في حمى السؤال، لم تعد الجرائم ترتكب بشكل سري، انما علني. سؤال من طالبة فلسطينية بالقدس الى ليلى شهيد سفيرة فلسطين مضمونه ان دولة فلسطين لا تزال حبرا على ورق، ماشعورك وانت سفيرة دولة لم توجد بعد؟ قالت ليلى شهيد ان أكثر مكان نشعر انه فلسطين واقع في القلب، في ضمير الإنسانية. وقالت ان الدولة تتحقق عمليا من خلال نضال ابناء الشعب الفلسطيني اليومي. سؤال من طالبة فرنسية الى طالبة فلسطينية: ماهو الحلم الذي تتمنيه لشعبك؟ الطالبة الفلسطينية: أن أعود إلى بلدي حيفا، وان يزول الاحتلال عن بلدي. هنا يسأل محمود درويش: هل لديك حلم آخر، حلم شخصي مثلا؟ الطالبة الفلسطينية: لا توجد أحلام شخصية لأنه بكرة مش مضمون، بكرة بالنسبة لنا مش موجود، ممكن زملائي يفقدوا حياتهم في المدرسة مثل الأطفال الذين ماتوا في الثامن عشر من أكتوبر، وجود المستوطنات يحرمنا أن نحلم. سؤال من طالبة فلسطينية: مارأي الفرنسيين في نضال شعبنا، هل يعتبرونه نضالا مشروعا؟ جاء الجواب من طالبة فرنسية: قالت انها تتفهم حق الشعب الفلسطيني، انها تتمنى استمرار نضاله حتى يقيموا دولة فلسطين. سؤال من طالبة فرنسية: ماهو شعوركم تجاه اعدائكم؟ قالت طالبة فلسطينية: انهم ضد الاحتلال لكنهم ليسوا ضد الإنسان، نتمنى أن نتحدث الى الآخرين كأصدقاء. سؤال من طالبة فرنسية: مارأيكم عندما تسمعون تهمة الارهاب للفلسطينيين؟ اجابة من طالبة فلسطينية: شارون يمارس ارهاب الدولة بامتياز، واليوم بدأت محاكمة لشارون في بلجيكا. في نهاية اللقاء قرأت طالبة فرنسية قصيدة بالفرنسية، الطالبة اسمها سونيا، والقصيدة جاء فيها: أنتم في فلسطين، ونحن في فرنسا نحن وجها لوجه ولكن وضعنا مختلف طموحاتكم مشتركة انتم تقاتلون دفاعا عن أنفسكم نحن نقف بفكرنا ومشاعرنا الى جواركم المؤكد، هذا ليس كافيا لكن يوما ما، ستعود الأمور كما كانت نعم، اليوم صعب، لكن غدا أفضل.. ونحن الآن نفكر بكم.. لم يكن هذا اللقاء الا واحدا من لقاءات عديدة دارت حول الثقافة العربية ولا أظن ان حديثا مثل هذا جرى من قبل في أي عاصمة غربية وفي ضاحية نائية من باريس تعتبر فقيرة، لكنهم دبروا هذه الامكانيات واستضافوا الثقافة العربية بمبادرة منهم، وفي ظروف صعبة، وبالنسبة لي كان ذلك يعني ان هناك من يتفهم، وهناك من يريد أن يعرف، وهناك من يبذل الجهد لكي يتعرف علينا. لقد رأيت أيدي ممدودة في ظروف صعبة، وعلينا أن نتعرف عليها جيدا، وان نقابلها بالمثل.