هل ينجح المشروع الاذاعي الجديد للولايات المتحدة الموجه نحو العالم العربي فيما فشلت فيه اذاعة «صوت امريكا» وفضائية «سي إن إن»؟ وهل تحسين صورة امريكا لدى جماهير العالم العربي يمكن ان يتحقق بتغيير اسلوب المخاطبة الاعلامية دون ان تتغير سياساتها وممارساتها؟ ابتداء من مطلع العام 2002 اي بعد اسابيع معدودة، سوف تدشن الحكومة الامريكية مشروعا لاقامة عدد من المحطات الاذاعية على الموجة المتوسطة وموجه «إف إم»، موجهة خصيصا الى العالم العربي، وبصفة أخص فئات الشباب، ويراهن الخبراء المكلفون بالمشروع على استراتيجية اذاعية قوامها اغاني «مادونا» وألحان موسيقى «البوب» الاخرى كعامل اجتذاب لبرامج اخبارية ذات طبيعة دعائية سياسية،.. والهدف هو تحسين صورة الولايات المتحدة عن طريق مخاطبة الشباب العرب بأن سياسة قمع الارهاب لا تعني معاداة الاسلام. فما هي فرص نجاح المشروع؟ الفكرة ليست جديدة، فقد صارت محطات «إف إم» الاذاعية الاجنبية الموجهة باللغة العربية الى جماهير الشباب العرب جزءا من الحياة اليومية في العالم العربي، جنبا الى جنب مع نظيراتها المحلية، لذا يبدو ان الولايات المتحدة اقتبست الفكرة من نموذج اذاعة «مونتي كارلو» الفرنسية.. وربما من المحطات المحلية المماثلة ايضا. لكن هل وضع الخبراء الامريكيون في الاعتبار تلك البدهية الاعلامية التي يعرفها حتى طلاب السنة الاولى في كليات الصحافة والاعلام، والتي تقول «ان الاعلام لا ينطلق من فراغ»؟ فبناء على هذه البدهية الاساسية فإن مصداقية الرسالة الكبرى التي تبثها اي مؤسسة اعلامية حكومية تستمد من مصداقية توجهات وسياسات الحكومة التي تتبع لها المؤسسة. لقد فقدت الولايات المتحدة لدى جماهير الشعوب العربية بكل قطاعاتها، بما في ذلك أجيال الشباب، اي حد ادنى من المصداقية السياسية، والى ان تستطيع هذه الدولة العظمى احداث تغييرات جذرية وشاملة في منطلقات سياساتها وتوجهاتها نحو العرب وقضاياهم المصيرية، فإن اي مشروع اعلامي امريكي موجه الى العالم العربي محكوم عليه بالفشل الحتمي سلفا. وقد كان يتعين على الخبراء الامريكيين ان ينظروا في الحاضر قبل المستقبل. فعلى مدى اكثر من نصف قرن لم تستطع اذاعة «صوت امريكا» التي تمولها الحكومة الفيدرالية الامريكية اثبات وجودها عربيا كمنافس لاذاعات اجنبية مماثلة ابرزها «بي بي سي» العربية او اذاعة لندن. اما على الصعيد التلفزيوني فإن فضائية «سي إن إن» العالمية تفقد مصداقيتها يوميا في اوساط النخب العربية المثقفة. كما فشلت اذاعة «صوت العراق الحر» التي تديرها المعارضة العراقية في الخارج لحساب الولايات المتحدة في استقطاب جماهير المستمعين العرب داخل العراق وخارجه. سوف تقول اذاعات «إف إم» والموجة المتوسطة الامريكية للشباب العربي ان الولايات المتحدة قوة حليفة وصديقة للأمة العربية. لكن مصداقية اي تعليق اذاعي من هذا القبيل سوف تنسف تلقائيا عندما تنقل الاخبار العالمية، في الوقت نفسه ان السفير الامريكي لدى اسرائيل، مثلا، قام بوضع اكليل من الزهور على المقبرة الجماعية لضحايا اسرائيليين سقطوا بسبب هجوم استشهادي فلسطيني، دون الاكتراث بتقديم تعاز الى ذوي تسعة اطفال فلسطينيين صرعى صواريخ اسرائيلية من صنع أمريكي. وربما ينجذب الشباب العرب الى اغاني «مادونا» المبثوثة من المحطات الامريكية الجديدة لبعض الوقت وما يتبعها من اخبار وتعليقات وتحليلات، لكنهم سوف ينصرفون عنها رويدا بمضي الزمن كلما صدر عن مسئول امريكي تصريح يعطي ارييل شارون ضوءا اخضر للبطش الدموي بالاشقاء الفلسطينيين.